قبل أكثر مِن أربعة أشهر، وفي ختام جلسة المرافعة، توجّهت القاضية فاطمة جوني إلى الخصمين أمامها، قائلة: «لست مِن النوع الذي يقبل التدّخل، لديّ مناعة مطلقة، وحياديّة، مع علمي أنّنا لسنا في مدينة فاضلة، ولكن مَن لديه شكّ فليقل لي الآن وأنا عندها لا أحكم في القضيّة». تقول لهما إنها حاضرة لأن تتنحّى. وكلاء «القوات اللبنانيّة» أعطوها الثقة، وعلى رأسهم النائب المحامي جورج عدوان، وكذلك فعل بيار الضاهر ووكيله المحامي نعوم فرح. ابتسمت جوني، القاضية المنفردة الجزائية في بيروت، للحاضرين ورفعت الجلسة إلى الحكم. أصدرت القاضية حكمها أمس: «إبطال التعقّبات المسوقة في حقّ المدّعى عليهم (الضاهر والمؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناسيونال)». سمير جعجع باسم «القوّات» هو الجهة المدّعية على الضاهر بتهمة إساءة الأمانة. خسر جعجع القضيّة... إلى الآن. القضيّة التي أثيرت قضائيّاً، قبل نحو 12 عاماً، لم تنته بعد. سيكون هناك استئناف ودفوع وأشياء كثيرة مملّة. احتفل الضاهر أمس مع العاملين في تلفزيونه. جعجع بدا مكسوراً. ذهب بعيداً عندما تناول القاضية متحدّثاً عن «طعجتها السياسيّة». راحت تصريحاته «تنطنط» مِن شاشة إلى أخرى: «الحكم في جزء منه هو افتئات علينا لأسباب سياسيّة بحتة، كونها، أي القاضية، وضعت رأيها السياسي البحت في الحكم». هذه إهانة للقاضية. لم يصدر، أمس، أيّ بيان عن مجلس القضاء الأعلى للتضامن مع زميلتهم. هل على القاضية أن تسكت على تطاول جعجع؟ إن تكلمت سيخرج مَن يقول لها، مِن المجلس المذكور، إن عليها التزام «موجب التحفّظ». أي أن تصمت. حسناً، دافعوا عنها أنتم يا «كبار القضاة». أين نادي قضاة لبنان، الكيان «الثوري» الجديد، الذي مِن جملة أهدافه الدفاع عن كرامة القضاة وإلخ إلخ؟ سمير جعجع يتكلّم الآن عن قضاء مسيّس، بعدما كان طلب مِن القاضية جوني نفسها، سابقاً، أن تأتي إلى مقرّه في معراب لسماع إفادته. آنذاك قالت له لا، أنا قاضيّة، بكامل سلطتي، فتعال أنت إلينا أيها المواطن «العادي». يبدو أنّ هذه الوخزة ما زالت تؤلمه. جعجع، الكاره للقضاء المسيّس الآن، هو نفسه مَن كان حضر قبل سنوات إلى العدليّة، في القضيّة نفسها، بسيارة وزير العدل «القوّاتي» السابق إبراهيم نجّار. المتضرّر غالباً يصرخ، يعترض، ولكن أن يذهب إلى إهانة القاضي والتشكيك في نزاهته، بلا إثبات، فهذه ثقيلة في «دولة القانون والمؤسسات».


احتفل الضاهر مع موظفي التلفزيون وقال إنّ جعجع «كتير زغير قدام الوليد بن طلال» (مروان طحطح)

حكم القاضية جوني، الذي اتسعت له نحو 120 صفحة، ضمّ تفاصيل هائلة، أرهقها بها المدّعي والمدّعى عليه، وشهود كثر، تصل الحاضر بأكثر مِن 30 سنة خلت. حكايات الحرب الأهليّة و«المجتمع المسيحي» وما إلى ذلك. يكفي أحدنا أن يعلم أن كريم بقرادوني كان مِن بين الشهود ليعلم كميّة المعلومات في الملف. مَن حضر جلسة المرافعة الأخيرة، قبل نحو أربعة أشهر، حتماً سمع القاضية تقول: «بدّي أخلص بقى مِن هالملف». مجرّد قراءة نصّ الحكم تُسبب صداعاً. كان جعجع يُريد استعادة التلفزيون (الذي كان اسمه المؤسسة اللبنانية للإرسال، بلا «انترناسيونال»). لم يحصل على ذلك. تُخبره المحكمة الآن أنّه في ثمانينات القرن الماضي، في الفترة التي يمتد إليها النزاع القضائي، لم تكن «القوات» سوى ميليشيا عسكريّة. كتبتها القاضية بوضوح في نصّ حكمها: «القانون اللبناني لم يختزن نصوصاً تعترف للميليشيات بالشخصيّة المعنويّة». لم تكن جمعية، لم يكن لها «علم وخبر»، وبالتالي، أمام القانون، لم تكن موجودة. وكلاء «القوات»، وخلال سنوات النزاع القضائي، حاولوا تثبيت اتصال وحدة «القوّات» القديمة بـ«القوات» الجديدة (التي أصبحت شرعيّة). بالمعنى التاريخي، بحسب الحكم، نعم ربما يكون هناك وحدة، ولكنها «لا تستقيم من الناحية القانونيّة... فبعد حلّ الميليشيات (مع انتهاء الحرب الأهليّة)، يكون كيانها زال مِن الوجود، لذا فالوحدة (اتصال القديم بالحديث) مستحيلة بين الوجود والعدم». هل تحدّثت القاضية عن «القوّات» على وجه الخصوص، كما حاول جعجع، في تصريحاته أمس، أن يقول؟ كلا، إنّه يُدلّس، وربّما يُراهن على أن أكثر الناس لن يطالعوا النص الكامل للحكم. هذا ما جاء في النص: «كانت كغيرها مِن الميليشيات تسعى إلى تقسيم البلد وتمارس الاقتتال الأهلي بين أبناء البلد الواحد». لم تكن القاضية هنا تتحدّث عن هذه التفاصيل حبّاً بها، بل كانت تفنّد ادعاءات الخصوم في القضيّة، كما أوردوها هم، لتؤكّد لهم أنّ التنظيم، وعلى فرض ثبوت وجوده القانوني، فإنّ وجوده هذا لا بدّ أن يكون «شرعيّاً». التنظيم «القوّاتي» لم يكن كذلك، كسائر المتحاربين. القاضية تحدّثت بلغة الدولة ومنطقها. هي لا ترى أن لـ«القوات» ولا حتى للضاهر، أو أيّ معني آخر مِن تلك الفترة، الحقّ في تملّك أشياء حصلوا عليها بفعل الجباية مِن الشعب اللبناني. قالتها بوضوح: «إنّها أموال الشعب». الحكم يتحدّث عن أنّه بعد حلّ الميليشيات، فإنّه، وتبعاً للقانون، يمكن أن «تؤول أموالها إلى الدولة وتضحى عرضة للمصادرة». هذا يعني أنّه حتى لو كان الحكم أدان الضاهر، بإساءة الأمانة، فالأكيد أن ملكيّة التلفزيون لن تؤول إلى جعجع و«القوّات». أمام هذا المقطع مِن الحكم، لا يعود هناك مِن حاجة للحديث في سائر التفاصيل القانونيّة الأخرى، سواء لما عرض له في موضوع مرور الزمن أو الصلاحيّة المكانيّة وغير ذلك. هذه هي الخلاصة. جعجع سخر مِن مسألة «أموال الشعب» والمصادرة لصالح الدولة، وبدا أنّه يُريد مِن القاضية تعميمها على جميع الأحزاب، ولكن فاته أنّ ليس للأحزاب الأخرى قضايا مماثلة الآن أمام القضاء. يمكنه قول ذلك لو وصلت قضية مماثلة أمام القاضية ثم حكمت خلاف حكمها. ما ذنب جوني إنّ شاءت أقدار جعجع أن يكون الضاهر في حياته؟ في الواقع، ليت جوني كانت في موقع النائب العام لدى محكمة التمييز، بُعيد انتهاء الحرب الأهليّة، لكان ربّما شكل لبنان اختلف تماماً. الآن هي ليست سوى قاضية جزاء منفردة. ليس لها سوى أن تبتّ بما بين يديها. ليس ذنبها أنّ لـ«القوّات» تركة خاصّة جدّاً، قياساً بالتنظيمات الأخرى، متصلة بالحرب الأهليّة.
رأت القاضية أنّه كان يتحتم مصادرة التلفزيون بفعل حلّ ميليشيا القوّات اللبنانية


بالمناسبة، الحكم وإن لم يدن الضاهر، في الدعوى ضدّه، إلا أنّه لم يكن في صفّه أيضاً. أسقطت القاضية ادعاءه بحصول بيع بينه وبين جعجع، لعدم تقديمه ما يثبته. فبحسب النص: «المحكمة تيقّنت أن أيّ بيع للتلفزيون لم يحصل». في المقابل، الحكم يتطرق إلى «عقد التفرغ» الذي تم عام 1992 بين «القوّات» والضاهر، فتغيّر اسم المؤسسة، وكان هذا لمصلحة الضاهر، وبالتالي «فإنّ الأمر تم حتماً بعلم جعجع وموافقته». هكذا، القضيّة الأساسيّة في مكان آخر تماماً. إنّها تركة الحرب الأهليّة، الثقيلة جدّاً، التي رميت على قاضية ربّما كانت طفلة آنذاك، فخرجت بالنتيجة التي اقتنعت بها. بالمناسبة، بعض المقرّبين مِن القاضية، وإزاء كلّ التعليقات «القوّاتيّة» المسيئة ضدّها، نقلوا عنها أمس أنها تكتفي بالقول: «الحمد لله أنا ضميري مرتاح». نصّ الحكم كان واضحاً أيضاً لناحية «التناقض في إفادات الضاهر (في مسألة البيع)... علماً أنّ الثابت هو إنشاء التلفزيون بالجهود التي بذلها». الحكم يرى أنّ الضاهر لم يستلم شيئاً ليسيء الأمانة فيه، بل هو مَن أسس للتلفزيون، وعمل فيه من منطلق تخصصه المهني، وهو مَن «شرّعه» لاحقاً. النص واضح أيضاً لناحية أنّ ما ينطبق على جعجع، لناحية أن الملكيّة في هذه القضية، بالأساس، هي للشعب اللبناني، كون التلفزيون بني بتلك الأموال المأخوذة كجباية مِن الشعب، ينطبق أيضاً على الضاهر. أكثر ميليشيات الحرب الأهليّة كانت تأخذ الجباية مِن «الشعب» في مناطق نفوذها. الحكم يذكر هذا أيضاً، ويتلخّص هذا الجدال بالفقرة الآتية: «هذا التلفزيون الذي كان يتحتم مصادرته بفعل حلّ ميليشيا القوّات اللبنانيّة، قد اكتسب وجوده الفعلي الشرعي من خلال الترخيص الذي مُنِح لشركة LBCI التي كان الضاهر يملك معظم أسهمها، مع عدم مساهمة جعجع أو الجهة المدّعية (القوّات) بأيّ مال مِن مالهما في تأسيس تلك الشركة، وذلك في ضوء تعذّر اعتبارهما مالكين لمال الميليشيا المنحلة، والتي لم تساهم بدورها بأي مال مِن أموال المنتسبين إليها، بل مِن مال الشعب اللبناني». يوم أمس، وإثر صدور الحكم، احتفل الضاهر مع العاملين في التلفزيون وتحدّث عن ربح قضايا أخرى في تحكيم دولي قبل أيام، قائلاً: «يلي عملناه مع الوليد بن طلال بالمقياس العالمي ما بينعمل، وسمير جعجع كتير زغير قدام الوليد بن طلال». يبدو أن هذه أيّام سعد الضاهر دوليّاً ومحليّاً... لكن، هنا، المسألة لم تنته بعد. الآن ستبدأ، مع الاستئناف، رحلة قضائيّة أخرى.



ميليشيا «البزنس»
عندما تقدّمت «القوات» بالدعوى ضدّ بيار الضاهر، قبل نحو 12 عاماً، كان رجل الأعمال ووكيل الإعلانات أنطوان الشويري لا يزال حيّاً. إفادته في القضية، كشاهد، ضُمّنت الحكم الصادر أمس عن القاضية فاطمة جوني. ثمّة مقطع في إفادته جدير بالتوقف عنده: «خلال عام 1993 طُرِح مشروع توأمة، أو شراكة، بين ثلاثة تلفزيونات هي LBC والمستقبل وتلفزيون لبنان، تحت مظلة شركة قابضة بين الرئيس الراحل رفيق الحريري والقوات اللبنانية المالكة الفعلية لتلفزيون LBCI. جعجع أبلغ الشويري بعد عودته من اجتماع مع الرئيس الحريري باستعداد الأخير لتحسين نسبة حصّة القوات في الشركة القابضة، وطلب إليه الاجتماع في اليوم التالي بالرئيس الحريري لمتابعة الموضوع، ولم يتم تكليف الضاهر بهذه المهمة لأن الحريري كان قد رفض الاجتماع بالضاهر بسبب حملة شنّها التلفزيون المذكور عليه.
وأفاد الشويري أنّه اجتمع بالفعل في اليوم التالي مع الحريري، الذي أبلغه باستعداده لرفع نسبة حصة القوات اللبنانية في الشركة القابضة المزمع إنشاؤها، وسلمه نسخة عن مشروع مرسوم جديد ينظم البث الفضائي، فقام هو، أي الشويري، بتسليم تلك النسخة لجعجع بحضور الضاهر، وطلب من جعجع تكليف شخص يتمتع بالخبرة السياسية لمتابعة هذا الشق مع الحريري». بصرف النظر عن تأثير مكان هذه الإفادة في القضية المثارة، في النزاع بين جعجع والضاهر، إلا أنّها تبقى، كونها صادرة في حكم قضائي، بمثابة وثيقة تاريخيّة تُعطي فكرة عن كيفية إدارة البلاد في تلك الحقبة. كان ذلك بعد الخروج مِن الحرب الأهليّة. الحديث عن توأمة مؤسسات خاصة مع تلفزيون لبنان، وكأن الأخير «ملك أبو» فلان أو علتان، وشركة قابضة يقرّر الحريري أن يزيد مِن خلاله الحصّة لهذا أو ذاك. إفادة الشويري هي تصوير للحظة إدارة بلد بذهنية «البزنس». لحظة تحالف رجل الأعمال مع رجل الميليشيا... بغية إدارة دولة.