منذُ افتضاح أمر قرض الـ400 مليون دولار المقدّم من البنك الدولي تحت عنوان «خلق فرص اقتصادية لدعم البرنامج الوطني للتوظيف في لبنان»، لم تتوقف زيارة موفدي البنك إلى مسؤولين في الدولة اللبنانية للترويج له والضغط بهدف تمريره. الكشف عن تفاصيله دفع بجهات مستفيدة عدة إلى التردّد بقبول المبالغ المخصصّة لها، مُطالبةً بإعادة دراسة العقد نظراً لوجود «ملاحظات كثيرة عليه» كما أكدت مصادر وزارية. فبعدَ أن أشار رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رفضه تمرير هذا القرض، وتأكيد أهمية درسه بالتفصيل في الهيئة العامة للمجلس، تتحضّر كتل سياسية عدة لمواجهته ورفضه. حتّى وزارة المالية ليست بعيدة عن هذا التوجه، باعتبار أن «الموافقة عليه في الظرف المالي الدقيق الذي تمر فيه البلاد تحتاج إلى تدقيق كبير».

أمام هذا التردّد، يكثّف البنك الدولي اجتماعاته مع جهات حكومية وممثلين عن الهيئات الاقتصادية لإقناعهم بأهمية القرض وضرورة الحصول عليه، ولكن بشروط، أبرزها تلك التي تتعلق بتدريب نازحين سوريين وخلق فرص عمل لهم.

كل العقود التي ستوقّع في ما بعد مع البنك الدولي سيكون جزء من أموالها مخصّصاً للنازحين السوريين (مروان بوحيدر)

وكان وفد البنك الدولي قد التقى كل من وزراء العمل (كميل أبو سليمان)، والشؤون الاجتماعية (ريشار كيومجيان) والاقتصاد (منصور بطيش). وهو على تواصل دائم مع وزارة المال عبرَ المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار. آخر نشاطات الوفد، ندوة عقدها مع الهيئات الاقتصادية في غرفة التجارة والصناعة في بيروت منذ أيام استمرت لنحو ساعة ونصف ساعة. تحدث الوفد الذي ضمّ خمسة أشخاص عن أهمية هذا القرض بالنسبة إلى لبنان. غيرَ أن هذا القرض مشروط باستفادة النازحين السوريين منه. فبحسب مصادر الندوة، أشار الوفد إلى أن الفقرة التي تتعلق بالنازحين السوريين تحدد أن المبلغ الذي سيستفيد منه السوريون لا يتجاوز الـ 10 ملايين دولار، لكنه أكد أنه «من دون الموافقة على هذا المبلغ لن يكون هناك توقيع للعقد». لكن الغريب في ما لمّح إليه الوفد بأن «كل العقود التي ستوقع في ما بعد مع البنك الدولي سيكون جزء من أموالها مخصّصاً للنازحين، خصوصاً تلكَ الخاصة بأموال سيدر»! ما يعني «أن هذه العقود كلها هي اسم حركي للتوطين في مرحلة لاحقة» كما أشارت المصادر. وفيما اعترض بعض الحاضرين على هذه الفقرة جاء ردّ الوفد بأن «في إمكان الدولة اللبنانية توقيعه من دون الالتزام بفقرة السوريين، ولا يعدّ ذلك مخالفة للقوانين، لكن حينئذ لن تحصلوا على الـ 10 ملايين دولار». وقد اعتبرت المصادر هذا الأمر بمثابة «فخّ»، لأن أي اعتراض من الدولة اللبنانية في ما بعد على شروط تتعلق بالنازحين السوريين سيقابلها ردّ من البنك الدولي بأنه «سبق وأن وقعتم عقوداً تتضمن بنوداً خاصة بالنازحين».
والجديد في هذا الملف، هو أن هذا البرنامج الذي كان سيموّل بقيمة 400 مليون دولار من قبل البنك الدولي، توسّعت مصادر تمويله المفترضة لتضم الدولة اللبنانية عبرَ وزارة المال، والقطاع الخاص، ليصبح مبلغ التمويل كله 695 مليون دولار! فقد حصلت «الأخبار» على وثيقة البرنامج المقدمة من البنك الدولي إلى وزارة المالية تشرح من هي الجهات الممولة، وكيفية توزيع الأموال. وبحسب الوثيقة، تنقسم مصادر التمويل إلى:
1- البنك الدولي: 400 مليون دولار
2- الدولة اللبنانية (وزارة المال): 165 مليون دولار
3- القطاع الخاص: 130 مليون دولار.
أما مدّة البرنامج، فهي 5 سنوات من 2019 حتى 2023.
مساهمة البنك الدولي مقسمّة إلى: 100 مليون دولار (2019) - 92 مليون دولار (2020) - 78 مليون دولار (2021) - 56 مليون دولار (2022) - 74 مليون دولار (2023).
وتكمن المشكلة، بحس الجهات الرسمية المعترضة على القرض، في كيفية توزيع الأموال، وهي، وفق وثيقة البند الدولي ستوزّع وفق الآتي:
المجلس الأعلى للخصخصة: 120 مليون دولار (رواتب، حوافز، مصاريف مقدمي خدمات، تكاليف استشارات، تقييم المشاريع، قوانين وجداوى اقتصادية).
مصرف لبنان: 5 ملايين دولار تمويل لمساعدات تقنية.
وزارة الاتصالات: 120 مليون دولار لهيئة أوجيرو من أجل البنية التحتية ومشاريع الفايبر أوبتيك ومعدات نظام الـIT؛
المجلس الأعلى للجمارك: 110 ملايين دولار تقسم بين رواتب (69 مليون دولار) ومعدات نظام IT (40 مليون دولار)؛
وزارة الاقتصاد والتجارة: 56 مليون دولار بين رواتب وتقديمات اجتماعية (19 مليون دولار) ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (35 مليون دولار)؛
المنطقة الاقتصادية الخالصة في طرابلس (مجلس الإنماء والإعمار): 70 مليون دولار للاستثمار في البنية التحتية والرواتب والمعدات؛
وزارة العمل: 66 مليون دولار (خدمات للتوظيف، بحث عن أول فرصة عمل ودعم برامج).
مصادر وزارة الاقتصاد: هناك ملاحظات كثيرة على المشروع


وفيما حدد البرنامج أهدافه بـ«خلق 52 ألف فرصة عمل دائمة و12 ألف فرصة عمل مؤقتة، وتدريب 12 ألف لبناني و3000 سوري) تكشف الورقة المقدمة من البنك الدولي إلى وزارة المال بأن الرواتب و«المنافع» والتكاليف الجارية وبرامج التوظيف تشكّل وحدها 43 في المئة من التكاليف بقيمة 246 مليون دولار. وتتوزع الاعتمادات على الشكل الآتي:
565 مليون دولار (400 مليون دولار من البنك الدولي و165 مليون دولار من الدولة اللبنانية):
- رواتب و«منافع اجتماعية» وتكاليف جارية: 153 مليون دولار (27 في المئة)
(المجلس الأعلى للجمارك 69 مليون دولار - المجلس الأعلى للخصخصة 22 مليون دولار - المنطقة الاقتصادية في طرابلس 28 مليون دولار - ووزارة الاقتصاد 19 مليون دولار)
- بنية تحتية ومعدات وخدمات واستثمارات: 301 مليون دولار (53.27 في المئة)
(المجلس الأعلى للخصخصة 96 مليون دولار – وزارة الاتصالات 120 مليون دولار- المجلس الأعلى للجمارك 40 مليون دولار).
- خدمات التوظيف وبرامج لتوفير فرص عمل: 93 مليون دولار (16 في المئة).
أما مبلغ التمويل الذي سيدفعه القطاع الخاص فيُقدَّر بقيمة 120 مليون دولار، سيذهب منها 110 ملايين دولار للمنطقة الاقتصادية الخالصة في طرابلس (مجلس الإنماء والإعمار) و20 مليون لوزارة الاتصالات.
وفي هذا الإطار تؤكّد معلومات أن وزارة المالية لم توافق على هذه الورقة بعد، فيما أشارت مصادر في وزارة الاقتصاد إلى وجود «ملاحظات كثيرة على المشروع وقد أبلغت الوزارة وفد البنك الدولي بضرورة إدخال تعديلات»، لافتة إلى أنها «لم ترفضه ولم توافق عليه حتى الآن». وكان الوفد قد أبلغ من التقى بهم بأن جزءاً من المبالغ سيدفع إلى خبراء سيأتي بهم البنك الدولي لمساعدة لبنان في تحضير العقود القانونية ودراسات الجدوى لمشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
هذا القرض الذي يجري التفاوض عليه، سيشكل في المرحلة المقبلة مشروع مواجهة بين الجهات اللبنانية الداعمة له والكتل السياسية التي تعارضه. إذ لا يمكن للبنان المثقل بديون تتخطى الـ 80 مليار دولار أن يتحمل ديوناً إضافية سيتم إنفاقها بصورة هي أقرب إلى الهدر (نحو 100 مليون دولار للخدمات الاستشارية في المجلس الأعلى للخصخصة)، ولو كانت الفوائد منخفضة نسبياً (تسديد القرض سيتم على مدى 30 عاماً، بفائدة تبلغ نحو 1.5 في المئة). أما أخطر ما في هذا القرض وغيره، هو تضمّنه مقدمات لمشروع توطين النازحين السوريين تحت مسميات تأمين فرص عمل!



حايك يؤكّد: حصتنا 120 مليون دولار!
يؤكد الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك صحة ما كشفه النائب حسن فضل الله في جلسة الثقة عن قرض البنك الدولي، معلّقاً: «نعم حصتنا من القرض تبلغ 120 مليون دولار، ستذهب في أغلبها لتغطية تكاليف الدراسات الاستشارية». لكنه، في المقابل، يوضح أن هذا المبلغ هو خط ائتماني على خمس سنوات سيستعمل في عمليات الإعداد لعقود الشراكة بين القطاعين الخاص والعام.
حتى الكلفة الباهظة يراها حايك «طبيعية»، قائلاً إن «كل مشروع يحتاج إلى دراسات دقيقة تطال النواحي البيئية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والأمنية والقانونية والمالية... وهذه دراسات تصل تكلفتها إلى نحو خمسة ملايين دولار، بحسب حجم المشروع».