اختارت واشنطن مناسبة احتفال إيران بالذكرى الـ40 لانتصار ثورتها لتعلن حفلة تحشيد جديدة ضد النظام «المارق». تأتي قمة وارسو تتويجاً لجولة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في المنطقة قبل أيام، وتريدها إدارة الرئيس دونالد ترامب، طمأنةً للحلفاء على قاعدة أن المواجهة مع طهران مستمرة، وسيبقى زخمها على ما هو عليه مع الإعلان الوشيك للانتصار على «داعش»، والانسحاب من سوريا. توحي القمة، في التوقيت، بأن إيران سترث «داعش» في المدى المقبل كعنوان أول على مهداف مواجهة عريضة من قِبَل الولايات المتحدة ومن يشاركها الخندق، وأبرزهم الخليج وإسرائيل، ضمن ما أطلق عليه «الرؤية الأميركية للشرق الأوسط».

«حلف وارسو» الجديد، كما بات يُعرف، لا ترى فيه طهران وقوى دولية أخرى تجد نفسها معنية بالتصعيد، كموسكو التي تُعقد القمة على حدودها، جديداً قادراً على إحداث فارق على الأرض، سوى تكثيف الضغط السياسي والإعلامي. لكن، ومقابل المواقف المُقلِّلة من أهمية القمة، والمعتبرة إياها «تهويلاً» بتحالف عسكري يستبعد أن تُترجم أهدافه إلى تحرك جدّي، فإن البعض ينظر إلى وارسو على أنها محطة تتويجية لمساعي الولايات المتحدة في المنطقة، ولا سيما على صعيد مشروع «صفقة القرن»، والتقارب بين العرب وإسرائيل، وصولاً إلى تشكيل «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» (ميسا)، أو ما بات يُتعارف عليه إعلامياً بـ«الناتو العربي»، في إطار المواجهة المتصاعدة مع إيران، منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات.
ويحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى القمة التي تستمرّ اليوم وغداً، إلى جانب بومبيو ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وممثلي الدول العربية التي ستتمثّل تسع منها على المستوى الوزاري، بحسب وزير خارجية بولندا، البلد المضيف، جاسيك كزبتوفيتش، وتلك الدول هي: السعودية والإمارات والبحرين ومصر واليمن والأردن والكويت والمغرب وعُمان، من بين سبعين دولة عربية وأوروبية وغيرها دُعيت إلى القمة. أما أغلب التمثيل فسيكون منخفضاً، في ظلّ تفاوت المواقف داخل أوروبا وتناقضها مع واشنطن، ولا سيما الموقف من الاتفاق النووي الإيراني والعقوبات. خفضت إدارة ترامب من توقعاتها من القمة لغياب التقاطع الواضح مع الأوروبيين بشأن التصعيد ضد إيران. فالأوروبيون، الذين لن تمثلهم وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني، سيحضرون على مستوى الدول بتمثيل منخفض يخرقه وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، الذي أشار إلى أن «الأولويات» لديه تتمثل في الحديث عن الأزمة الإنسانية في اليمن.
عدّلت واشنطن لهجتها ووضعت القمة تحت عنوان «تطوير حلول مشتركة وإجراءات بهدف ضمان السلام والأمن في الشرق الأوسط»، بدلاً من التركيز على أنشطة إيران كما سبق أن أعلن بومبيو. لكن يبقى نتنياهو الأكثر سعادة بالمناسبة، حيث بإمكانه أن يخطو، عشية الانتخابات الإسرائيلية، خطوات إضافية باتجاه التطبيع مع العرب. وبهذا الشأن، نقلت هيئة البث الإسرائيلية أن مكتب نتنياهو يسعى لعقد لقاء مع وزيرَي خارجية البحرين والمغرب، على هامش أعمال وارسو. بهذا المنحى، تكون الإدارة الأميركية الملأى بالصقور قد حققت قفزة كبيرة على مستوى تثبيت الحليف الإسرائيلي في شراكة مع بيئة إقليمية مواتية تجمعها واشنطن بوجه «العدو المشترك»، طهران، فيما تبقى فرص نجاح أطر المواجهة الجديدة وفعاليتها ضبابية، إذ تريد واشنطن من حلفائها الإقليميين أداء دور فاعل ومتناغم يقلّل انخراطها وتكلفة هذا الانخراط المباشر، فيما يعاني هؤلاء الحلفاء من الشقاق الداخلي، بدءاً من الأزمة الخليجية، وصولاً إلى الخلاف السعودي المغربي، فضلاً عن الإخفاق العسكري في اليمن. قبالة ذلك، لا يبدو المشهد مختزلاً باللاعب الأميركي وحلفائه الذين يجمعهم على صافرة وارسو، إذ تتزامن القمة مع قمة سوتشي الثلاثية (إيران وتركيا وروسيا) المنعقدة غداً حول الملف السوري، لتشير إلى حائط صدّ إقليمي سيكون التعامل الأميركي معه أكثر صعوبة من المأمول.