طلبُ مستشار الأمن القومي جون بولتون من «البنتاغون» إعداد خطة لعملية عسكرية ضد إيران يكشف عن نية الجناح الذي يمثله في الإدارة، والذي بات أغلبياً بعد خروج العسكريين منها، محاولة المضي قدماً بأجندته الخاصة في الشرق الأوسط والتي تُقدم للرئيس الأميركي باعتبارها مقدمة ضرورية يفترض أن تسبق التركيز على التصدي للصعود الصيني الذي يشكّل هاجساً أولوياً بالنسبة إلى ترامب. هذا الأخير لم يحسم موقفه بعد نظراً للمخاطر والأكلاف الكبرى المترتبة عن مثل هذا الخيار وانعكاساته السلبية المحتملة على المستوى الداخلي الأميركي.

المعلومات التي كشفتها «وول ستريت جورنال» عن طلب مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون لـ«البنتاغون» إعداد خيارات لضربة عسكرية ضد إيران، رداً على قصف صاروخي لمحيط السفارة الأميركية في بغداد لم ينجم عنه ضحايا، ليس مستغرباً. لو قيض لبولتون أن يكون في موقع الرئيس دونالد ترامب، لكانت الحرب قد شنت على إيران منذ تسلّمه السلطة في بداية 2017. يشعر بولتون بأنّ «المهمة تجاه إيران لم تنجز»، تماماً كما كان فريق بوش الابن يعتبر أن المهمة الخاصة بتغيير النظام في العراق لم تنجز خلال حرب 1991 بذريعة تحرير الكويت، فعمل على إنجازها عبر غزوه سنة 2003. إيران، بنظره، هي الدولة الوحيدة «الباقية وتتمدد»، بين لائحة الدول المستهدفة بعملية «تغيير الأنظمة»، والحقيقة تدميرها كدول كما ذكرت شيرين هانتر، الأستاذة في جامعة جورج تاون والمتخصصة بالشؤون الإيرانية. دُمر العراق عام 2003 وتلته ليبيا عام 2011، وباتت سوريا دولة منكوبة بعد المواجهة المحلية/ الإقليمية/ الدولية التي دارت على أراضيها. وهو ممن يعتبرون أن غزو العراق «قصة نجاح»، ليس انطلاقاً من الذرائع والأهداف التي استخدمت لتبريره، كنزع أسلحة الدمار الشامل أو دمقرطة الشرق الأوسط، بل استناداً إلى غايته الفعلية، وهي اجتثاث الدولة المركزية واستبدال فدرالية الطوائف والإثنيات بها. لكن بولتون ليس رئيساً للولايات المتحدة. صحيح أن موازين القوى داخل الإدارة قد تحسنت لمصلحته مع رحيل «آخر العقلاء»، وزير الدفاع السابق جايمس ماتيس، وأنه أكثر أفرادها تواصلاً مع الرئيس وتأثيراً عليه، إلا أن لهذا الأخير رأيه وحساباته التي قد لا تتطابق مع رغبات مستشاره للأمن القومي. الأكيد أن ترامب اليوم، حسب عدة مصادر تواصلت معها «الأخبار»، بعضها في الولايات المتحدة وأخرى مطلعة على النقاش في الإدارة، يستمع جيداً للآراء المؤيدة والمعارضة لعملية عسكرية ضد إيران والقرار يعود إليه.

رأي جديد - قديم
تحريض بولتون، وائتلاف واسع يضم تيارات أيديولوجية وجماعات مصالح متعددة في أميركا، على ضرب إيران، أمر قديم يتصاعد أو يتراجع ارتباطاً بالظروف السياسية. تصاعد هذا التحريض مثلاً قبل انتخاب ترامب عند إعلان الرئيس السابق باراك أوباما «استدارته» الشهيرة نحو آسيا، وهي خطوة أصابت بالهلع الأوساط المذكورة نظراً لتداعياتها الإقليمية المحتملة على حلفاء الولايات المتحدة في إسرائيل وبعض الأنظمة الخليجية. تشير مصادر مطلعة في الولايات المتحدة إلى أن السؤال الأبرز الذي طرحه المعارضون لخطوة أوباما هو: «من سيملأ الفراغ الناجم عن انسحاب أميركي جزئي أو كلي من الشرق الأوسط الناتج من قرار الاستدارة؟». بعض المعارضين للقرار، والمؤثرين بين النخب السياسية والأكاديمية، مثل أستاذ علم الاجتماع الأميركي - الإسرائيلي في جامعة كولومبيا أميتاي اتزيوني ذهبوا لدرجة الدفاع عن ضرورة الشراكة مع الصين بدلاً من العمل على مواجهتها والتفرغ لاستكمال تغيير الوقائع في الشرق الأوسط. يشرح اتزيوني في كتاب أصدره سنة 2012 بعنوان «نقاط ساخنة: السياسة الخارجية الأميركية في عالم ما بعد حقوق الإنسان»، أي في السنة نفسها التي أعلنت فيها الاستراتيجية الأميركية الجديدة، «أن الصين يجب أن تعامل في المدى القريب كشريك محتمل في نظام عالمي متغيّر بدلاً من احتوائها وتحويلها إلى عدو.

هدف ترامب الأول أن يعاد انتخابه وتجنّب أي خطوة تحول دون ذلك

في الوقت ذاته، تبقى النقاط الساخنة الفعلية في الشرق الأوسط، لا في العراق وأفغانستان وحدهما، بل في إيران وباكستان». وتذكر المصادر بأن اتزيوني الذي يعتبر أن إيران هي الدولة المرشحة لملء الفراغ الناجم عن انسحاب أميركي من الشرق الأوسط ينبغي أن تمنع من ذلك عبر إضعافها بنيوياً، لا عبر حصارها والسعي لزعزعة استقرارها الداخلي من خلال دعم حركات المعارضة. المطلوب برأي ايتزيوني عطبها بنيوياً من خلال القصف التدميري لبناها التحتية المدنية، كمقدمة تمهّد لمشروع تقسيمي عبر دعم الحركات المعارضة والانفصالية المسلحة فيها. واللافت أن الأستاذ الإسرائيلي الأميركي لا ينظر إلى حركات المعارضة «الديمقراطية» كحليف لأنها «قومية» ومتمسكة بحق إيران بالتطور من خلال امتلاك التكنولوجيا النووية. المطلوب نكبها وتقسيمها. ولا شك في أن المعلومات المتواترة عن مساندة أميركية متزايدة للمجموعات الانفصالية الكردية والأهوازية ولمنظمة مجاهدي خلق ترجمة لهذا المنطق حسب المصادر. هي ترى حالياً أن بولتون أصبح متحرراً من الضوابط بعد رحيل العسكريين من الإدارة، وأنه يخاطب «البنتاغون» والاستخبارات وبقية المسؤولين باعتباره ممثلاً للرئيس، ما يثير استياءً متصاعداً عند قسم منهم، وما يفسر التسريبات التي سُرِّبَت في وسائل الإعلام أخيراً عن نمو حالة قلق وامتعاض في صفوفهم. على الرغم من ذلك، تضيف المصادر، لم تُسمع مواقف علنية معترضة على توجهاته حتى الآن. وبطبيعة الحال، إن الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة يرمون بثقلهم خلف بولتون من خلال جماعات الضغط الموالية لهم والنافذة في واشنطن.

مغامرة شديدة الخطورة
مصادر أخرى تحدثت لـ«الأخبار» تجزم بأن الرئيس الأميركي لم يحسم موقفه بعد من هذا الخيار، على الرغم من ميله إلى محاولة توظيف المعلومات الواردة عنه في وسائل الإعلام كوسيلة لترهيب إيران والضغط عليها من دون الموافقة بالضرورة على وضعه موضع التنفيذ. الحجة الأقوى بنظر هذه المصادر التي يمتلكها معارضوه، وأولهم العسكريون، أثمانه غير المعروفة ونتائجه غير المحسومة. «لا أحد يمكنه التكهن بردّ فعل إيران ولا بمدى اتساعه. ترامب يريد استسلامها لشروطه، لكنه لا يرغب أبداً في التورط في عملية متدحرجة قد تبدأ بحملة قصف جوي مدمّرة، لكنها من الممكن أن تتحول، بعد رد إيراني عنيف ومستمر في أكثر من ساحة حيث لإيران حلفاء، إلى انزال قوات ومعارك برية مع ما يعني ذلك من أكلاف باهظة مادياً وبشرياً. ترامب مغامر، لكنه يعلم جيداً تبعات مثل هذه الخيارات على شعبيته في الولايات المتحدة، حيث يعارض القطاع الأعظم من الرأي العام التورط مجدداً في حروب مديدة، وفي مقدمته الكتلة الموالية للرئيس التي انتخبته أيضاً لرفضه المضي بمغامرات عسكرية خارجية. وما إعلانه مجدداً قراره سحب قواته من سوريا وخفض عددها في أفغانستان سوى ترجمة لإدراكه للانعكاسات الإيجابية لمثل هذه القرارات على معدلات شعبيته في سياق يتعرض فيه لحملة شرسة داخل البلاد هدفها ضرب صدقيته».
«هو يستمع إلى بولتون وبومبيو، لكنه لا يتجاهل تحذيرات العسكريين، ولا قيام البعض بتحويل نقاش من المفترض أن يدور في غرف مغلقة إلى نقاش علني في وسائل الإعلام لتعبئة الرأي العام ضد التداعيات الوخيمة للخيار العسكري في مواجهة إيران. القرار يعود إليه، وهو ليس مجرد دمية بيد مستشاريه أو وزرائه، وهدفه الأول أن يعاد انتخابه لولاية ثانية وتجنب أي خطوة قد تحول دون ذلك» تختم المصادر.