بغداد | آمِلاً أن يُمرّر مجلس النوّاب مرشحيه للحقائب الوزارية المتبقية، يعوّل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الجلسة البرلمانية المقبلة (حُدّدت يوم الثلاثاء في 18 كانون الأوّل الجاري)، كي ينال هؤلاء «الثقة»، ويُكمل بذلك «كابينته» الوزارية، بعد سلسلة من الإخفاقات في تحقيق ذلك. وإن فشل عبد المهدي أمس في إتمام «الكابينة»، فإن ذلك مردّه إلى عدم اكتمال نصاب الجلسة، مع «افتقاد المكوّنات السياسية للثقة فيما بينها»، فـ«تهرّبَ» نوّاب كُثر ـــــ وتحديداً من كُتل «البناء» ـــــ من دخول قاعة البرلمان، وفق ما يؤكّده مرشّحٌ لنيل إحدى الحقائب، رفض الكشف عن اسمه، في خلال حديثه إلى «الأخبار».

وفيما قاطعت معظم كتل «الإصلاح» («سائرون» و«الحكمة» و«النصر» و«الوطنية») إضافةً إلى كتلة «الاتحاد الوطني الكردستاني» (احتجاجاً على ترشيح دارا نور الدين لحقيبة العدل، بدلاً عن مرشحها خالد الشوّاني) جلسة أمس، فإن كتل «البناء» لم تكن أسلم حالاً، ليكون مجموع الحاضرين 101.
حضورٌ لم يكن «على قدر التوقّع»، وفق مصادر في «البناء»، التي تراه إخفاقاً لـ«تحشديها»، مقارنةً بحضور الجلسة السابقة (الثلاثاء الماضي)، إذ بلغ عدد المشاركين زهاء 160 نائباً، لتحمّل ـــــ أيضاً ـــــ رئيس البرلمان محمد الحلبوسي مسؤولية «تراجع عدد الحاضرين»، على اعتبار أن «سُنّة البناء» أكثر من 50 نائباً؛ فـ«الحلبوسي عرّاب غيابهم، وله الدور الأكبر في ذلك، لأن المرشح لوزارة الدفاع فيصل الجربا ليس مرشحهم، ولا يريدون استيزاره»، تقول المصادر.
أما معسكر «الإصلاح» فله رأيٌ آخر. ففي تصريح صحافي، قال رئيس كتلة «الوطنية» كاظم الشمري إن «الجلسة فشلت لأن طيفاً سياسيّاً واسعاً قاطع الجلسة»، مبدياً خشيته من أن «استمرار الصورة الحالية يهدد الدولة العراقية، ويوصلنا إلى نهايات غير معروفة». موقفٌ «يستكمله» قياديٌّ آخر في المعسكر نفسه، ومن كتلةٍ أخرى، بالقول إن «ما جرى أمس دليلٌ على عدم اقتناع البناء بمرشحهم لوزارة الداخلية (فالح الفيّاض)، ويمكن التماس ذلك من عدد الغيابات في صفوفهم»، مؤكّداً في حديثه إلى «الأخبار»، أن «الإصلاح متمسّكٌ بموقفه ولن يتنازل عنه، ويرفض توزير كُلّاً من الفيّاض والجربا».

«الإصلاح» متمسّكٌ بموقفه ولن يتنازل عن رفض توزير الفيّاض والجربا


هذا الحسم يقابله نفي من مصادر الفيّاض و«البناء»، وأنّ التكتّل، وعلى اختلاف مكوّناته، متمسّكٌ بهذا الترشيح أكثر من أيّ وقت مضى، لأسباب عديدة، أهمها «النصائح» الأميركية للفيّاض، والداعية إلى سحب ترشيحه حفاظاً على «ما تبقى من العمليّة السياسية في البلاد». هنا، تنقل مصادر مقرّبة من الفيّاض أن الأخير التقى السبت الماضي السفير الأميركي في العراق دوغلاس سيليمان، الذي نصحه بسحب ترشيحه حفاظاً على «العملية السياسية ومنعاً لانفجارٍ قريب للشارع العراقي». بدوره، ردّ الفيّاض بأنّ تمسّكه ليس «قراراً شخصياً»، لأنه مرشّح رئيس الوزراء أوّلاً، ومدعومٌ من «البناء» ثانياً. يضاف إلى ذلك، الدور الذي يبذله قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني في تقريب وجهات النظر بين «البناء» و«الإصلاح»، ومحاولة إنقاذ حكومة عبد المهدي.
سبب ثالث هو محاولة مقتدى الصدر «القضاء» سياسيّاً على قائدين أساسيين في «البناء» ضربةً واحدة، وهما الفيّاض وزعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي؛ فتصريح الأخير السبت الماضي حول «مستقبل العملية السياسية» وتحميله الصدر مسؤولية تفجير الشارع، استفزّ الأخير «كثيراً»، وفق مصادر الرجلين، التي تؤكّد أن «الردّ» كان بكسر نصاب الجلسة، وإطالة فترة ترشيح قصي السهيل (التعليم العالي)، المحسوب على المالكي، لإثبات فشله مستقبلاً في عمله الوزاري.
عملياً، ثمّة سيناريوات عدّة تلوح في الأفق، وفق مصادر مطلعة على تفاصيل المشهد، وتوجزها على الشكل الآتي:
ــ أوّلاً؛ نجاح سليماني في تقريب وجهات النظر/ أو فشله، وتمرير ما تبقى من مرشحين من دون أن يتخلّى عبد المهدي عن أحدٍ منهم؛ نجاح سليماني في ذلك لكن مع استبدال الفيّاض والجربا بمرشحين آخرين، مع ضماناتٍ بعودة الفيّاض إلى قلب المشهد السياسي بمركزٍ يحفظ مكانة الرجل ودوره.
وأمام هذين الخيارين، ثمّة ما «يُقلق» رعاة العملية السياسية، على اعتبار أن «التيّار الصدري»، وفق مصادره، قد أوعز إلى أنصاره بالعودة إلى الشارع مجدّداً لحظة توزير الفيّاض، من أجل «تسقيطه» خلال الأشهر الثلاثة الأولى من لحظة تسلمه الوزارة. أكثر من مصدرٍ نيابي (من «الإصلاح») أكّد لـ«الأخبار» أن توجّه «الصدريين» بالعودة إلى الشارع بات محسوماً، والانتقال إلى معارضة عبد المهدي سيكون أولى تلك الخطوات.
وتذهب المصادر إلى القول إن «خيار استبدال الفيّاض يعني كسر شوكة طهران في المشهد السياسي العراقي»، وهو ما يسعى إليه الصدر وزعيم «تيّار الحكمة» عمار الحكيم، ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي.