لا يسير ملف النفايات، إن في مجلس الوزراء أو مجلس النواب، على الطريق الصحيحة. هذه الطريق التي يُفترض أن ترسمها وزارة البيئة، باقتراح استراتيجية تسبق إعداد القانون ومناقشته وإقراره. وهذه الملاحظة الجوهرية لم تقتنع بها وزارة البيئة منذ بدأت بمناقشة هذا الموضوع قبل أكثر من عشر سنوات وقبل أن تنهي مشروع القانون الذي أحالته على مجلس النواب عام 2012.


وبالرغم من أن أحد أهم توصيات الورشة التي عُقدت في مجلس النواب في 12/04/2017 بالتعاون بين الأمم المتحدة للبيئة والأمانة العامة لمجلس النواب ووزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجلس النواب، تقول بضرورة أن تسبق الاستراتيجية القانون، وأن يتم تعديل القانون المقترح بناء على هذه الاستراتيجية التي كان يفترض بوزارة البيئة أن تنجزها، بعد إجراء المشاورات مع كل الأطراف المعنية، كما كان مقترحاً... لم تنجز الاستراتيجية وأُعيد النقاش حول القانون!

"التفكّك" اللامركزي


«التفكك الحراري» لشركات المحارق و«الوقود البديل» لشركات الإسمنت


أما أبرز التعديلات المقترح إدخالها إلى مشروع القانون، لكي تكون منسجمة مع قرارات مجلس الوزراء بالسير بموضوع المحارق، فهو إدخال مفهومي "التفكك الحراري"، أي "عملية الاستفادة من القيمة الحرارية لمكوّن من النفايات بهدف تقليص حجمها وإنتاج الطاقة". بالإضافة إلى مفهوم "الوقود البديل" المستخرَج من النفايات المرفوضة (RDF)، المستخرج أيضاً من مكوّن من نفايات ذات قيمة حرارية مرتفعة، يمكن استخدامه في توليد الطاقة وكوقود بديل في صناعة الإسمنت وغيرها من الصناعات. هذه التعديلات التي تترجم قرارات حكومية وليس استراتيجية وطنية!
كما يُضاف تعديل، يسمح بعمل واستثمار القطاع الخاص في النفايات وليس فقط الإدارات المحلية (البلديات واتحاد البلديات)، تحت عنوان "المشروع المشترك": أي مشروع ذو منفعة عامة يساهم فيه القطاع الخاص عن طريق التمويل والإدارة وإحدى العمليات التالية على الأقل: التصميم، الإنشاء، التشييد، التطوير، الترميم، التجهيز، الصيانة، التأهيل والتشغيل (كما هو معرف في القانون رقم 48 تاريخ 07/09/2017 الرامي إلى تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص).
بالإضافة إلى اعتماد اللامركزية الإدارية في تطبيق الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة من خلال تولّي الإدارات المحليّة مراحل الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة كليّاً أو جزئياً وفق الجدوى البيئية والاقتصادية في حين تُولّى السلطة المركزيّة ضمان كفاءة توزيع الموارد من خلال تنفيذ مشاريع مركزيّة حيث تدعو الحاجة. وهكذا يتم تحضير الأرضية اللازمة للاستثمار، بدل تحضير الأرضية اللازمة لمعالجة مشكلة النفايات.

المبادئ المبتورة

يتبنّى القانون مبدأ "الإدارة المتكاملة للنفايات المنزلية الصلبة" الذي يقوم على المراحل التالية: التخفيف من إنتاج النفايات، إعادة الاستعمال، الفرز من المصدر والفرز في المعامل، التدوير، التسبيخ واسترداد الطاقة، والتخلّص النهائي من العوادم. أما الأهم في هذه التعديلات فهو بتأكيد "إعطاء مبادئ التخفيف من إنتاج النفايات الصلبة وإعادة الاستعمال والتدوير الأولوية الأساسية على غيرها من الوسائل والمراحل الأخرى من الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في لبنان وذلك بهدف تقليل آثارها السلبية على البيئة". وهي التوصية الأهم التي أخذت بها اللجنة الفرعية من توصيات ورشة الأمم المتحدة للبيئة. إلا أنها لا تترجم متطلبات هذا المبدأ في القانون.

التمويل من دون حساب الكلفة!

من أين ستأتي مصادر تمويل إدارة النفايات كما هو مقترح في مشروع القانون حسب التعديلات الأخيرة المقترحة؟
المصدر الأول المقترح هو "الموازنة العامة"، من خلال اعتمادات تُرصد للهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، تعادل على الأقلّ قيمة الرسوم المنصوص عنها في المادة 25 من هذا القانون، والمستوفاة عن السنة السابقة أو ما قبلها.
والمصدر الثاني هو من "موازنات الإدارات المحلية". الثالث من "القروض والهبات"، أو "الصندوق الوطني للبيئة (لدى البدء بالعمل فيه"). بالإضافة إلى "استثمارات القطاع الخاص"، حيث، وخلافاً لأيّ نصّ آخر، يجاز للأشخاص المعنويين والطبيعيين من القطاع الخاص وللبلديّات واتحادات البلديّات، أصحاب المعامل المرخّصة لمعالجة النفايات الصلبة و/أو مراكز التخلّص النهائي منها، وصل الطاقة الكهربائية المنتجة من معاملهم بالشبكة على حسابهم الخاص، على أن يستحصلوا على الترخيص اللازم من وزارة الطاقة والمياه، وعلى أن تتولى مؤسسة كهرباء لبنان شراء كميات الطاقة المنتجة بسعر أدنى بخمسة عشرة بالماية من متوسط تعرفة بيع الكهرباء التي تعتمدها. يُلغى أو يسحب أو يعلّق الترخيص المعطى من وزارة الطاقة والمياه في حال مخالفة المرخّص له الشروط التي على أساسها منح الترخيص، ودون أن يترتّب للمخالف أي تعويض. (وقد تم تبنّي هذا الموضوع بناء على اقتراح وزير الطاقة والمياه مؤخراً).

«لا مركزية» للمشاريع البلدية الصغيرة و«مركزية» لتلك الكبيرة

ويظهر من التعديلات المقترحة، أنه تم استعجال وضع هذه المادة، تلبية لحاجات ملحة ومقترحة من تجار المحارق مؤخراً، لا سيما الصغيرة منها، التي يتم إقناع البلديات واتحادات البلديات بها. وقد غاب موضوع الضريبة البيئية بشكل كليّ عن هذا القانون، بالإضافة الى الوفاء بمبدأ "التخفيف" الذي تمّ منحه الأولوية، إلا إذا فُهم التخفيف، باعتباره تخفيف حجم النفايات عبر ترميدها (أي حرقها بحيث لا يبقى إلا ما يقارب 20% من حجمها عندما تتحول إلى رماد. أما ما هو مصير هذا الرماد وكيفية معالجته وكلفة ذلك، وكيفية التقاط الانبعاثات والرماد المتطاير (نسبتها واحد في المئة) وتجميعها (في فلاتر ضخمة تأخذ مساحة ثلثي المعمل)، ومعالجتها وكلفتها العالية أيضاً (إذا ما تم الوفاء بالمواصفات الدولية) فخارج حساب الكلفة أيضاً، كما نصح سماسرة هذه المشاريع!

الهيئة الوطنية للإدارة

من الناحية التنفيذية يقترح في التعديلات "إنشاء الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة". "تتمتّع بالاستقلالية المالية والإدارية وترتبط بوزير البيئة الذي يمارس عليها سلطة الوصاية؛ وتخضع بعض قراراتها المالية والإدارية لتصديقه، وفق ما يرد في مرسوم تنظيمها. كما تخضع لأنظمتها الداخلية وأحكام هذا القانون وهي لا تخضع لأحكام النظام العام للمؤسسات العامة المصدق بالمرسوم 4517/1972 ولا لمجلس الخدمة المدنية بل تخضع لرقابة ديوان المحاسبة اللاحقة. يعيّن مجلس إدارة الهيئة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير البيئة".
يحدّد نظام الهيئة وأصول عملها وأصول التوظيف فيها وسلّم الرتب والرواتب بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير البيئة، وتناط بها صلاحيات إعداد دفاتر الشروط الفنيّة والإدارية الخاصة بالمشاريع المركزية المتعلّقة بتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، ودراسات تقييم الأثر البيئي. وإجراء المناقصات الخاصة بالمشاريع المركزية المتعلّقة بتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة. ووضع التقارير حول نتيجة المناقصات وإحالتها على وزير البيئة لاتخاذ القرار بشأنها في مجلس الوزراء. والإشراف على تنفيذ المشاريع المركزيّة المذكورة. وتقديم المشورة إلى وزير البيئة بشأن المشاريع المختلطة وتلك التي تطرحها الإدارات المحليّة لإدارة النفايات الصلبة لجهة جدواها البيئية والاقتصادية، وبشأن تقنيات معالجة النفايات بشكل عام.
ولحين بدء العمل بالهيئة المذكورة، يتولّى مجلس الإنماء والإعمار تنفيذ المشاريع المركزيّة.
وبما أن مشروع القانون لا يستند إلى استراتيجية، فلا يمكن أن نستنتج من القانون، لماذا تم حصر كل السلطات بوزارة البيئة لتشرف على "الهيئة الوطنية"، ومدى أهليتها على القيام بكلّ هذه الأدوار؟ وهل هذا صحيّ أم لا؟ مع الإشارة إلى أن الوزارة لم تنجح حتى الآن في المهام التي أُوكلت إليها ولا سيما القيام بمهمة استراتيجية كـ"التقييم البيئي الاستراتيجي للمشاريع".




الرسوم المقترحة


تحدّد رسوم إدارة النفايات الصلبة كما هو مقترح على الشكل التالي:
إما رسوم مباشرة عبر الزيادة على الرسوم البلديّة بنسبة تتراوح بين 10 و100%، أو برسوم غير مباشرة كالزيادة على فاتورة الخليوي بنسبة 5%، أو عبر رسوم على المنتجات: زيادة بنسبة تتراوح ما بين 1% و100% على سعر أكياس البلاستيك. وقد ترك المشروع مسألة تفاصيل هذه الرسوم وطرق استيفائها ليتم تحديدها أو تعديل أنواعها بموجب مرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزراء البيئة والمالية والداخلية والبلديات. وهي مقترحات متسرّعة جداً، وليست مبنية على أي رؤية استراتيجية لمعالجة مستدامة للنفايات، أو كمجرد خوة على المواطنين لتمويل معالجة النفايات التي من المتوقع أن تكون مكلفة جداً، إذا ما تمّ تطبيق القرارات الحكومية لا سيما تبنيها خيار الحرق.






اللامركزية كمبدأ

أبرز تعديلات القانون أيضا اعتبار اللامركزية كمبدأ، إذ تؤكد المادة التاسعة أنه "يجب اعتماد اللامركزية الإدارية في تطبيق الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة من خلال تولّي الإدارات المحليّة مراحل الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة كليّاً أو جزئياً وفق الجدوى البيئية والاقتصادية". كما "يجب على السلطة المركزيّة ضمان كفاءة توزيع الموارد من خلال تنفيذ مشاريع مركزيّة حيث تدعو الحاجة". وكان هذا المقترح قد جاء لإرضاء جميع أطراف الصراع حول الاستثمار في النفايات. البلديات الكبيرة والقادرة والتي تريد الاستثمار في إنشاء محارق... فلتفعل. وباقي المناطق حيث يريد القطاع الخاص أن يستثمر... فليفعل. وكان هذا المشروع يرسّخ مفهوم "المركزية" كمشروع مركزي، واللامركزية كمشروع غير مركزي أو بلدي. ويتجاهل دور السلطة المركزية الأعمق والأشمل.