«أيها المخادع، هل تظنني أحمق حتى أصدق ما تقوله لي؟»، هذه الجملة لم يقلها راشد ضليع في اللغة العربية صديق لجدي، بل قالها ابني الذي لم يتجاوز عمره الست سنوات! وقد وظّفها في سياق صحيح تماماً.

الدهشة تعلو وجهي، فمن أين جاء بهذه المفردات، والسلسلة تطول والفضل طبعاً ليس لمعلمة اللغة العربية التي لا تألو جهداً في تعليمه، ولا لمنهاج اللغة العربية الذي كنت شريكاً في تأليفه وصوغ رؤيته، بل بكل بساطة لقنوات الأطفال وأفلام الرسوم المتحركة (animation)، ومع ذكائه الخاص أحسن استعمالها وتوظيفها في وضعية جديدة.

إذا المناهج الدراسية تنهار أمام التقنية، ونقصد بالمناهج أن الفرص التي يخطط لها التربويون لتعليم التلامذة خبرات معينة باتت تهديداً لأنها غير جاذبة وتقليدية ومملّة.
كيف نتوقع من طفل يحضر فيلماً ثلاثي الأبعاد أن يقبل في الصف أن يسمع حكاية بصوت واحد وشخصية واحدة وأداء غير محترف مقارنة مع الممثلين المحترفين؟
كيف نتوقع أن يكون الكتاب الرقمي البائس الذي تطوّره دور النشر كبديل عن الكتاب الورقي وأن يجذب التلامذة فيما هم ينتقلون بين عشر تطبيقات تفاعلية في الدقيقة الواحدة؟
عندما نتحدث عن تطوير المناهج لتواكب الرقمية فنحن لا نتحدث عن كتاب إلكتروني جامد، بل نتحدث عن منظور جديد يبدأ بمقاربة المناهج المعتمدة، ثم يمر على كل عناصره أي الأهداف والطرائق والمحتوى والتقويم، فلا يترك عنصراً من عناصر المنهج من دون أن يطوّر فيه.
فعلى مستوى المقاربة، لا يمكن مناهج المواد المعرفية المنفصلة أن تكون ملائمة كمناهج رقمية تفاعلية، ويجب التوجه بسرعة إلى المناهج المستندة إلى القضايا، أو المناهج الشمولية والمحورية.
أهداف المنهج يجب أن تتحوّل بسرعة من المعلومات إلى المهارات، وإلى فكرة الثقافة العلمية العابرة للمواد، ومهارات العرض والبحث والمحاججة والنقد وحل المشكلات والتأمل والتفكّر والتحليل واتخاذ القرار.
الطرائق التعليمية أيضاً تحتاج إلى نفضة سريعة، ولا يمكن التكلّم عن مناهج رقمية لا تعتمد بنيوياً على التعلّم بالمشروع والتقصّي والمناظرة.
أما التقويم فيفترض أن يتقلص فيه التقويم الختامي في نهاية التعلّم ويصحح من قبل المعلّم لصالح التقويم التكويني المتدرّج، ولصالح أنواع التقويم الأصيل الذي يركّز على التقويم الذاتي من خلال مصفوفة المعايير (rubric)، والتقويم من خلال البورتفوليو، ومهمّة الأداء (performance task). هذه الأنواع من التقويم تعزّز لدى التلميذ مهارات التفكير التأمّلي، ومهارات ما فوق التفكير (metacognition).
ثم نصل إلى نقطة الارتكاز في التحوّل المخطط من المنهج التقليدي إلى المنهج الرقمي التفاعلي، حيث نقوم بتحليل الوظائف التربوية والتعليميّة والبحث عن حلول لها في الموارد التي تقدّمها التكنولوجيا، فعلى سبيل المثال نحن نحتاج إلى توفير فضاءات للتحاور والتبادل المعرفي، والمحاججة بين التلامذة بتوجيه وإشراف المعلّم، بناءً على هذه الحاجة التي رصدت لدى المخططين للمنهج، نفتش على موارد رقمية تساعدنا في حل هذه المشكلة فنجد المنتديات الرقمية والمدونات، ووسائل التواصل المغلقة للمجموعات.
نحن بحاجة لتأمين فرص أكبر للتعاون بين الطلاب في إنجاز المشاريع، نفتش عن الموارد الرقمية التي تسمح بإنتاج عروض وأوراق بشكل جماعي مثلgoogle docs، على سبيل المثال لا الحصر.
نحن بحاجة لإجراء تجارب في بيئة آمنة والمختبر لا يسمح بذلك دائماً، نستفيد من برامج محاكاة مناسبة للتجارب والاكتشاف.
نحن بحاجة لشرح مفهوم مجرّد مثل التمثيل الضوئي (photosynthese)، نستفيد من مورد رقمي لإنتاج أنيميشن مناسب، أو نشتري مكتبة فيديوات تعليمية، أو نبحث على اليوتيوب عن مصادر مناسبة، وهكذا دواليك.
بهذه الطريقة نحن لا نلحق التقنية بشكل أعمى، ولا نركض وراء الإبهار، بل ندرس حاجاتنا التربوية التعليمية ونستفيد من التكنولوجيا ونواكبها بما يسمح بحسن التوظيف. بهذه الطريقة نكون قد دمجنا فعلاً التكنولوجيا في المناهج بطريقة واعية ومخططة، ويصبح الكتاب الرقمي عندها تفصيلاً بسيطاً في هذه العمليّة.
*مدير التدريب في مدارس المهدي
للتواصل مع الكاتب: [email protected]