أمستردام | جاء عبد القادر بنعلي (1975) في سن الرابعة من مدينة الحسيمة المغربية الى روتردام الهولندية ليلتحق بوالده ضمن أفواج العمال الذين استقدمتهم هولندا لبناء بنيتها التحتية في الستينات والسبعينات، لم يدخل المدرسة في المغرب لذلك لاحقته اللغة العربية حتى أوصلته إلى سوريا ولبنان، حيث أقام فترة ليتعلمها. رشّحت أولى رواياته الصادرة بالهولندية «عرس على البحر» لجائزة «ليبريس للأدب»، أهم جائزة أدبية في هولندا، لكنه حصل عليها بعد أن أصدر روايته الثانية «الذي طال انتظاره» سنة ٢٠٠٣.


هو اليوم من أبرز كتاب اللغة الهولندية على الاطلاق. يكتب الى جانب الرواية، المسرح، والمقالة لصحف هولندية وعالمية، ويقدم برامج تلفزيونية أدبية. أصدر ما يقرب عن عشرين مؤلفاً في مجالات مختلفة، وصلت للطبخ، ويقول: «إنه هروب متعمد من إرهاب اللحظة الراهنة». يصف نفسه بأنه: «سفير دولة يسكنها شخص واحد، استقلت حديثاً، ولم تجد النفط على ترابها بعد»، لكنه لا يعرف حاكمها ولا لغتها، ولا مقرها، ويقول: «أنا خليط من كل شيء، من وجدني عربياً فأنا كذلك، ومن وجدني هولندياً فله ذلك». يرى أن الأدب هو ما سيشفي الأجيال المقبلة من انكساراتها الحالية، ويقول إن الذين سيعودون لاحقاً الى بيوتنا من معاقل داعش، سيعودون، بأسئلة كبيرة: من أنا، ماذا فعلت؟ هل ما فعلته صحيح؟ والآن الى أين؟ الأدب هو من سيجيب على أسئلتهم:

■ بماذا تنشغل هذه الأيام؟ ماذا تكتب؟
ـــ أكتب عن شخص سوري يعيش في هولندا. قصة حقيقية حدثت معي مؤخراً. كنت في قراءة في مدينة زفوله الهولندية، للحديث عن آخر كتبي. اقترب مني شخص شكله عربي، ظننته مغربياً. قال بهولندية طليقة: سي عبد القادر، حصل لي الشرف. أجبته بالدارجة المغربية، سألته إن كان مغربياً فقال: «لا، شكلي مغربي لكن أنا سوري من عائلة بدوية في قرية صغيرة في حلب». انتهت المحاضرة فاشترى كثيراً من كتبي ثم عاد للحديث معي. قال: «أعرف كل شيء عنك وأتابعك منذ سنوات». شعرت انه يعاني من عزلة ما، سألني ان كانت كتبي قد ترجمت للعربية فقلت، بعضها، قال: «الأفضل ان تترجمها الى الفرنسية، المترجمون العرب يقدمون أعمالاً سيئة»، واستعان بتجربة أمين معلوف. دعاني الى بيته فاستغربت، لكن في النهاية ركبت سيارتي وسقت خلفه. وصلنا بيته، وهو عبارة عن مكتب بريد سابق من ثلاثة طوابق. الطابق الأرضي عبارة عن غاليري للفنون، وهو متحف حقيقي لأعمال فنية كبيرة ومميزة. علمت أنه يملك ثلاث غاليريهات في كامل هولندا، ويشارك في معارض عالمية، ويدير شركة للتجارة في التحف والمقتنيات الفنية، وأنه اشتغل في لندن والصين ويتكلم الصينية ويملك غاليري في لندن. جلسنا وتحدثنا. قصته التي سمعتها منه تلك الليلة هي موضوع كتابي الذي أشتغل عليه الآن. أكتب عنه رواية أسميتها: «عربي في زفوله». هو يشبهني في الشكل. أنا عشت في حلب، وهو من حلب، إضافة الى اسم سوريا في الوقت الراهن ووقعه على المتلقي. الرواية تتحدث عن عزلة المثقف العربي في الغرب.

■ وماذا عن كتابيك الأخيرين عن الطبخ وطنجة؟
ـــ نعم كتبت كتاباً عن طنجة وإقامة ماتيس فيها، الكتاب ينظر الى طنجة كمدينة أدبية. البداية تعود الى 1996 عندما رأيت في أحد متاحف هولندا لوحة لماتيس في طنجة، كان ذلك أثناء صدور كتابي «عرس على البحر» وكنا نبحث عن لوحة للغلاف أنا والناشر، واخترنا لوحة «الشرفة» لماتيس. رأيت اللوحة وتساءلت حينها، لماذا يذهب رسام فرنسي إلى طنجة ويقيم ويرسم فيها؟ بحثت في تاريخ الرسام وعرفت اسم الفندق الذي اقام فيه واسم المقهى الذي كان يجلس فيه، أيضاً من خلال روايات محمد شكري عرفت عنه الكثير. أول زيارة كانت في 1998. حملت غلاف الكتاب معي، وتجولت في المدينة بحثاً عن المنظر الذي تضمنته اللوحة، وكان عبارة عن نافذة تطل على ساحة بها أبقار وخلفها كنيسة. لم أجد المكان ولم أسال أحداً. عدت بعد ذلك ثلاث أو اربع مرات، وقمت بنفس التجربة، وأيضاً بلا جدوى. لم تكن طنجة تعجبني كثيراً في البداية، لكن هذه الزيارات والجولات قربتني من المدينة وجعلتني أحبها، وقررت مع زوجتي اقتناء شقة هناك. فعلنا ذلك في 2014، وبعدها بأشهر قليلة قمت بنفس الجولة المعتادة بحثاً عن الكنيسة التي كانت تظهر في اللوحة، وتسمى «كنيسة البريطانيين». في إحدى الأمسيات وجدت نفسي فجأة أقف في قلب المشهد، أو اللوحة، مع بعض التحويرات الصغيرة. المقاهي تغيرت قليلاً، والساحة لم تعد سوقاً للأبقار. والكنيسة يظهر منها جزء بسيط من فوق الاشجار التي علت كثيراً. وفندق فرنسا، «أوتيل دو فرنس» في مواجهتي تماماً. الفندق الذي أقام فيه ماتيس، ورسم لوحاته. هذا الفندق كان في السبعينات مملوكاً لعائلة صدام حسين. ثم جرى ترميمه وافتتح من جديد. وفيه بار دي لاكروا وبار ماتيس. دخلت وطلبت رؤية غرفة ماتيس فسمحوا لي. عندما صعدت وفتحت الشرفة رأيت الساحة والكنيسة والمشهد نفسه، الذي في لوحة الشرفة، وتعرفين ماذا رأيت أيضاً؟... شقتي التي اشتريتها حديثاً. لم تكن تبعد أكثر من 300 متر عن المكان.

■ لماذا لم تسأل أحداً طوال هذه السنوات عن موقع المكان؟
ـــ هناك مقولة مشهورة للشاعر الروسي برودسكي تقول: أحياناً الطريق الأقرب هو الطريق المتعرّج. ليس صحيحاً أن أقرب مسافة بين نقطتين هي خط مستقيم. أظن أن بعض الخطوط الملتوية أقرب. هذا أيضاً موجود في الثقافة الاسلامية التي تشجع على السفر لاكتساب الحسنات. ابن بطوطة كان يسافر من أجل الحسنات، وكان يقطع أطول الطرق وأوعرها. في النهاية كما ترين، ماتيس هو من سحبني الى طنجة، وصار لدي بيتُ فيها، طنجة التي يفترض ان تكون أقرب إليّ منه، لم أصلها مباشرة، لكن عبر طريق ملتوٍ قطعته معرِّجاً على ماتيس. هذا ما عنيته بالخط المستقيم والخط المتعرج. نحن لا نصل دوماً عبر أنفسنا، نحتاج ان نعبر أحياناً على الآخرين لنصل إلينا. الآخر يأخذنا الينا. الآخر جسرٌ إلى أنفسنا.


نعيش في عالم يتحرك. كل يوم تندلع حرب، الفكرة هي كيف تنأى بنفسك كمثقف عن ارهاب الايديولوجيا؟

■ كتبت عن تجربة ماتيس في طنجة، ثم كتاباً عن الطبخ، والآن تكتب عن فنان سوري في هولندا؟ ماذا يجري تحديداً في تجربتك الأدبية والروائية؟ ما هذا التوجه الجديد نحو كتابات اللايف ستايل، و«اللايت ستوري» في تجربة تعتبر الاكثر تعقيداً وطرحاً لإشكالات الفرد في مواجهة المجموعة؟
ـــ صحيح، وكتبت في الأثناء أيضاً عن ميشال دو مونتين وهو أول من كتب المقالة. انا في فترة اكتشاف لنفسي وهويتي، هويتي مرتبطة بهؤلاء الأشخاص، بمحمد شكري وماتيس، ومونتين، الذي عاش في القرن 16، لكن عندما أقرأ المقال الذي كتبه، أشعر أنني أجلس اليه واتحدث معه. السؤال هو من أنت؟ ما هي الأشياء التي تعني لك والتي لا تعني؟ اين الجمال بالنسبة لك، اين القبح؟ و«لك» هنا هي أنا. أنا أعود الى نفسي، في رحلة عكسية. تبدأ مني، تمر بآخرين أو أمكنة أو أزمنة خارجة عني، لتعود اليّ. يشبه هذا أدب الرحلات، لكنه رحلة من النفس واليها.

■ هل هذا ما تريد أن تبلغه في كتاباتك؟
ـــ كتبت روايتي «الهندي» حول هذا الموضوع. كيف أفهم نفسي من خلال هؤلاء، إنهم بالنسبة لي يشبهون البوصلة في عالم معقد جداً. نعيش الآن في عالم يتحرك بسرعة فائقة، كل يوم تندلع حرب جديدة، العراق ثم سوريا، وأخيراً اليمن. ما يحدث هناك له تأثير علينا والعكس أيضاً صحيح. الفكرة الآن هي كيف تنأى بنفسك كمثقف عن الايديولوجيا؟ كيف تحمي نفسك من إرهابها؟

■ هل هذا نوع من الهروب الفكري بدافع غريزة البقاء كمثقف؟
ـــ إنه هروب متعمد، هروب من هذه اللحظة حتى لا تجرح ذائقتنا، وفكرنا وطريقة تعاطينا مع العالم ومع انفسنا. أخرجُ مما يحدث لأراه بشكل أفضل. الأدب يلعب دوراً مهما هنا، وهو ما سيملأ الثغرة التي ستتركها الايديولوجيات المتصارعة. بعد أن ينتهي الصراع ستتواجد ثغرة لا احد يعرف كيف يملأها، لا الاسلاميون ولا العلمانية الحديثة. الثغرة ستكون عميقة ومتجذرة في الوجدان الانساني والذائقة الفنية. الأدب هو من سيملأها. كافكا يقول: «إلى أي حد يملأ رأس النبلة الجرح الذي تُحدثه؟». بمعنى ما يجرحك هو ما يعبّئ جرحك، أنا أؤمن ان الأدب بإمكانه ملء الجرح. لأن الكثير من هؤلاء الشبان الذين يتم استغلالهم ويتوجهون إلى داعش، سيعودون لاحقاً الى بيوتنا، بأسئلة كبيرة: من أنا، ماذا فعلت، هل ما فعلته صحيح، والآن إلى أين؟ الأدب سيجيب على أسئلتهم.

■ تدّعي دائماً أنك تنأى بنفسك عن الايديولوجيا والسياسة وتعقيدات اللحظة الراهنة، لكن كلامك وانتاجك يقولان إنك في قلبها؟
ـــ صحيح، أنا في ما يشبه لعبة المتاهة، تبحث عن المخرج ولا تجده، تصطدم بنفسك في كل مرة، وتعاود البحث، في الحقيقة لا يوجد مخرج، توجد انت وانت مخرج نفسك.

■ هل يطالبك القارئ الغربي بتفسير ما يحدث في العالم العربي، أو بعض الأحداث مثل حادثة شارلي إيبدو؟
ـــ نعم، وباستمرار، لكنها طلبات لا أستجيب لها باستمرار. ففي ما يتعلق بأحداث مثل شارلي إيبدو كتبت مقالاً لـ «نيوزيورك تايمز» شرحت فيه وجهة نظري، وترجم للغات عدة. لكن ما يعجبني أكثر هو كتابة الروايات. وإذا سألتني عما يحدث الآن؟ جوابي هو أن الأمر يتعلق بموضوع أكبر وهو كيف يندمج العرب والمسلمون في الغرب، كيف يتعايشون مع قيم وأخلاقيات الغرب التي لا يؤيدونها في الغالب؟ أتفهم غضب الجاليات المسلمة وعانيت منه صغيراً. إنهم يشعرون بالتهميش، والاقصاء. أنا نفعني الأدب، هربت إليه واستطعت ان أفرغ شحنة الغضب هناك. لكن هؤلاء الشبان لا يجدون متنفساً. الحل هو ان يستمع القادة والسياسيون إليهم ويعاملوهم معاملة جيدة، ويحاولوا ان يعرفوا سبب غضبهم. لأن الإرهاب يستعملهم لتفريغ هذه الشحنة. في هولندا وحدها تبلغ نسبة البطالة في صفوف الشبان المغاربة 20 % وهي ضعف النسبة الموجودة في صفوف أبناء البلد.

■ هل هذا ما يشجعهم على الذهاب الى سوريا؟
ـــ نعم، هناك يحصلون على عمل وعلى نساء. هذه ثنائية مغرية لشباب ضائع بلا مستقبل. أغلب هؤلاء يعيشون في دوائر صغيرة تسهل عملية استقطابهم وغسل أدمغتهم من قبل أصحاب اللحى. يمنحونهم ما ينقصهم، وهو الاعتراف والاحساس بالقيمة والجدوى.

■ هل ما زلت تشعر بنوع من العزلة داخل الثقافة الغربية؟
ـــ لا ، إطلاقاً، أشعر أن جذوري غارقة وممتدة، لتصل الى الجذور الأم التي تجمع كل البشر. لا أحتاج أحداً من أصحاب اللّحى ليُفهمني من أنا، أصل الى ذلك بنفسي وبطرقي الخاصة. أحد أصدقائي من الجيل الثاني أخبرني أنه رغب في صوم رمضان هذا العام. ذهب إلى أحد المساجد ليؤدي الصلاة، قال لي إنه صدم من حجم الجهل، والترهيب والكراهية التي يبثها الأئمة في المساجد الموجودة في الغرب. كان يريد أن يبلغ السلطات، ولم يعد إلى المسجد من يومها.
■ لماذا تصور المرأة دائماً في صورة تقليدية خاضعة؟
ـــ دورها في كتاباتي دائماً إما عاشقة أو أم. في كل كتاباتي هناك دور للأم، كناقلة للعادات والتقاليد، وأيضاً كرمز لعلاقة مع الوطن الأم. لكنها في لحظة ما تختفي ليحل محلها الوطن الجديد. الأمهات لسن غبيات، هن أيضاً متقدمات وذكيات. لا أرغب في خلق امرأة تشبه عروس الماريونيت، تتكلم بلغة الوقت، وظواهره، وبلسان غيرها. المرأة في كتاباتي امرأة حقيقية، لها وجود تأسيسي في الغالب. عندما أتحدث عن الجيل الأول من المغاربة المهاجرين، الأم كانت هي الحضارة التي جلبوها معهم. هناك دائماً توتر بين الأم والابن. هنا في الغرب العلاقات والروابط مختلفة. في الغرب العلاقة مع الأم تقف حاجزاً أمام فردية الشخص. وليصل الى هذه الفردية يجب أن تحدث قطيعة، وهذه القطيعة موجودة في كتبي أيضاً لكنها قد تُقرأ على أنها خيانة للأصل والثقافة، رغم أنها قطيعة صعبة ومؤلمة، وليست كاملة. هناك إعادة انتاج لهذه العلاقة في أشكال أخرى، لكن لتصبح ناضجاً عليك أن تقطع مع النظام الرمزي. هذه القطيعة تُشبعني كفرد.

■ في سياق الهويات والجذور الذي نتحدث عنه، لمن تكتب؟ من هم قرّاؤك؟
ـــ نحن فئة الكتاب والمبدعين العرب في الغرب، يُنظر إلينا كرمز لفئة معينة، وهذا ليس صحيحاً في الواقع . المغاربة في هولندا لا يقرأونني، لأنهم لا يجدون أنفسهم في كتاباتي كثيراً، يبحثون في الأدب عمن يتحدث عن جروحهم ويشفيها، وهذا ما لا أفعله. لا أريد ان أقصر كتاباتي على ذلك. وهذا لا يعني أنني اقطع جذرياً مع الثقافة الأم. ما أريده هو بناء علاقة جديدة مع الثقافة الأم مبنية على التوسع والاعجاب. أتنفس هذه الثقافة وأحبها وأحتاجها أيضاً. الذين يعيشون في طنجة لا يرونها، لكن أنا أرى كل تفصيلة صغيرة فيها وأحبها، لأنني انظر اليها من الخارج. ولأنني أتعامل مع الثقافة الأم برومانسية العابر، وليس بنظرة المقيم. أُشبِّه طنجة بالطفل المشرد، من يجده فهو له. من يجد طنجة فهي له. لا أحد يعرف من أين جاءت طنجة. هل أسسها اليونانيون؟ أم البربر؟ أم البرتغاليون؟ أم الفينيقيون؟ كل هذه الأساطير تفنّد بعضها، وتُكمل بعضها. ولهذا فهي صحيحة. طنجة هي شقيقة قرطاج وقرطاج شقيقة طرابلس، وطرابلس شقيقة بيروت. عشت فترة في بيروت، وعندما جئت الى طنجة أول مرة شعرت أنها تشبهها، وكان يجب أن أكتشف طنجة عبر بيروت. إقامتي في بيروت رغَّبتني في اكتشاف طنجة. عندما رأيت بيروت قلت، كم تشبه طنجة، وعندما كنت في طنجة قلت هذه بيروت قبل عشرين عاماً. عندما أمشي في طنجة أمشي في بيروت في نفس اللحظة، أنقسم تماماً. رغم ذلك أبقى دائماً أنا نفسي، رغم كل تعقيداتي فأنا بسيط جداً، وأشبه نفسي جداً. أشبه نفسي بأنني سفير لدولة يسكنها شخص واحد. أنا سفير دولة حصلت حديثاً على استقلالها، ولم تجد النفط بعد. أنا سفير نفسي. أشتغل من منطلق كفاءاتي الإيجابية، ولدي الكثير من الطاقة. ساعدني فنانون لبنانيون في الوصول الى هذا الوضع. كنت في بيروت عندما اندلعت حرب تموز 2006. الجميع فرّ يومها، لكن فناني ومثقفي شارع الحمراء بقوا. كنت حائراً بين أن أبقى أو أغادر، سألني أحدهم: لماذا لا تهرب؟  قلت: لماذا لا تهربون أنتم؟ فقال أحدهم وكان اسمه أظن غسان سلهب، وهو مخرج أفلام: نبقى هنا لأن الحرب تحتاج شاهداً. إلى اليوم لم أنس كلامه. ساعتها قلت لنفسي: أيها الهولندي الغبي، أنت أيضاً يجب أن تبقى، لأنك أخيراً اكتشفت ما يفعله الفنان.

■ لكنك قلت سابقاً أنك لا تريد أن تكون شاهداً، وأن الفنان مطالبٌ بالهرب أحياناً؟
ـــ صحيح الهرب ضروري، تهرب الى نفسك، أو جذورك، أو بديهياتك وأولوياتك البسيطة، لأن ذلك يحميك، نعيش في زمن الهرب والفارين. الفارّون من الازمة الاقتصادية، والفارون من الفقر، والفارون من الحرب، والفارون من أنفسهم، والفارون من تاريخهم، الكل يهرب الآن، هذا زمن الهرب.

■ كيف ترى مستقبل العالم العربي في ظل ما يحدث الآن؟
ـــ سيء، خمسون سنة مقبلة من الانحطاط والصراعات، ثم يعتدل الأمر. لن أقدم شرحاً لهذا الرأي، الشروحات كثيرة وموجودة في الصحف. أنا أقدم إحساساً، ورؤية مبنية على أحاسيس وحالة فردية. هذا امتداد لوعد بلفور وخريطة تقسيم المنطقة العربية. الغرب يقول الآن للعرب: يجب أن تحلوا المشكلة الذي سببّناها نحن. العرب لا يستطيعون ذلك، لأنها ليست مشكلتهم، هذا ما يحدث منذ سبعين عاماً وسيستمر على الأقل في الثلاثين عاماً المقبلة، ثم تبدأ الأمور في التدرّج نحو حل. انظري الى دبي، إنها نسخة من كل ما هو جيد في الغرب، تجميع له. كل شيء مبني على فكرة المتعة. من دون الحرية الليبرالية. لن يستمر هذا طويلاً. لا بد أن ينهار يوماً ما، لأن الناس لا يمارسون ما يؤمنون به، بل ما يمتِّعهم. دبي ليست نموذجاً ناجحاً كما يعتقد العالم. الأفكار هي التي تغير البشر وليس المال. حتى الدين لا يغير البشر، الأفكار هي التي تفعل ذلك.