كما هو متوقّع، صمت المعنيّون بوثائق «ويكيليكس» في لبنان لبرهة، لاستيعاب ما جرى وتصميم خطاب «معاكس»، يشكك في مضمون الوثائق، أو يحرف النقاش عنها، أو يتفّهها لإبطال مفعولها، ثم انطلق الردّ. منهج المدافعين عمّن تورّط في القضية يعتمد، إجمالاً، إحدى حجتين: الأولى هي في التساؤل عمّا قد تخبئه ــ بالمقابل ــ أرشيفات إيران وسوريا، ولماذا يجري «تخصيص» جماعة أميركا والسعودية بهذه التسريبات الفضائحية؛ وأن «الكل» يموّله طرفٌ ما، والجميع متساوون، وهذه طبيعة الحياة.


النهج الثاني هو في الهجوم على «ناقل الرسالة»، أي تحويل النقاش من الوثائق نفسها إلى «الأخبار»، ولماذا هذه الصحيفة بالذات (ببساطة، لأن قلة معدودة في إقليمنا تجرؤ على هذا النوع من النشر، والوثائق تشرح السبب بوضوح)، وأن «الأخبار» ستقدّم الوثائق بطريقة انتقائية، ولن تعرض أموراً عن فريق 8 آذار، ولماذا لم تنشر هذه الوثيقة أو تلك؟
نبدأ بالادّعاء الثاني لسهولة بيان كذبه، فـ»الأخبار»، في ملفّها عن الإعلام، قد اختارت وثائق لشخصيات من «المعسكر الآخر»، على ندرتها، من بينهم زميلٌ سابق لنا في الصحيفة. وهناك، بالفعل، إعلاميون من خارج الطوق السعودي و»ممانعون» ومستقلون وردت أسماؤهم ولم ننشرها بعد، وأكثرها جاء في سياق سعي السفارة إلى التجسس عليهم، وابتداع السبل لمحاربتهم، بدءاً بمنعهم من السفر والتأشير ــ ولو لفريضة الحج ــ ووصولاً إلى طردهم من أعمالهم، والضغط على مؤسساتهم، وحصارها تجارياً على أرضها وفي بلادها (هل هذا كله يعني شيئاً لمن يدافع عن حرية الصحافة والرأي في لبنان؟ أم أنه لا ضرورة لصحافة مستقلة، أو حتى لإمكان قيامها، وما علينا إلا أن نتوظف جميعاً لدى الأمير؟).
«الأخبار»، في النهاية، ليست إلا حلقة في مشروع هدفه النهائي هو وضع كلّ هذه الوثائق في متناول العموم، حتى يقرأوها بأنفسهم ويبحثوا فيها، ويخرجوا منها بما يهمّ بلادهم وقضاياهم. القضية هنا هي الوثائق وما تعنيه، طالما أنها صحيحة وأصيلة، وليس ما تختار صحيفة نشره في يوم واحد من بين أكثر من مئة ألف وثيقة.
ولكن الفكرة الأكثر دلالة هنا هي منطق من يسأل عن أرشيفات «الآخرين». هذه من الحالات النادرة في التاريخ التي ينفضح بها شخصٌ ما، أو فريق، متلّبساً وفي أسوأ وضعية ممكنة، فيردّ بالتساؤل عما قد يخبئه غيره من موبقات. فكرة أن «الجميع يقبض» ويتسول من السفارات، وأن هذا أمرٌ عادي، والكل سواء، هو المنطق نفسه الذي يريد أن تكون برقية الشيخ نعيم قاسم هي محور التسريبات ومنتهاها؛ ويعتبر أنها في كفة واحدة (أو تقبل المقارنة) مع مشهد نصف النخبة السياسية والثقافية في لبنان وهي ترتمي على أبواب السفارة وتقدم طاعة غير مشروطة. هذا، ببساطة، هو منطق من لديه مناعةٌ ضدّ الفضيحة.
المسألة هي ليست في أنّ جعجع أو شمعون أو الجميّل قد ثبت أنهم «يقبضون» من السفارة. المسألة هي أنّ زعماء لتيارات كبرى ــ يقوم كل برنامجها السياسي على اتهام «حزب الله» بالارتهان لإرادة الخارج، وادّعاء الشراسة الطائفية في الدفاع عن المسيحيين و»استقلاليتهم» ــ يقولون بوضوح إنّ أمرهم وأفعالهم وإرادتهم هي في تصرف حكومة خارجية، أسهمت سياساتها في تهجير أكثر مسيحيي المشرق العربي وبعثرتهم، وقد بدأت هذه «السياسات» بطرق باب لبنان.
المناعة ضد الفضيحة تنتج المعادلات التسطيحية، التي تبدو منطقية من الخارج، ولكنها تقارِن ما لا يُقارَن، فيجري استحضار إيران في كلّ موضوع كتبرير لأي شيء، و»بطاقة سماح» من الأخلاق والوطنية، وحتى من المعايير التي تضعها لنفسك (وشعار محطتك التلفزيونية).
المقارنة مضللة ليس فقط لفارق القدرة المالية بين إيران والخليج، والنفوذ الاقتصادي القاهر الذي تحوزه السعودية في بلادنا (هل تقدر طهران على طرد صحافي كتب ضدها مقالاً مسيئاً في بيروت أو القاهرة؟ أو التحكم بسوق الإعلانات واستخدامه ضد خصومها؟)؛ المقارنة خطأ لأنّ حلفاء ايران، بشكل عام، يعلنون انتماءهم بوضوح، ويعتبرون أنفسهم في معركة واحدة ضمن حلف. ولو كانت «الأخبار»، كما يتهمها - كذباً - جماعة «أنتم مثلنا»، هي لإيران أو لـ»حزب الله»، لأعلنت ذلك بفخر كما يفعل غيرها (ومن المضحك هذا الهوس الغريب بمصدر دخل صحيفة وحيدة حرّة، تقلّ ميزانيتها عن كلفة مكتبٍ خارجي لمطبوعة خليجية).
ولكن، بالمقابل، فإن «زائر السفارة» ومن يعمل لديها، سياسياً كان أو إعلامياً، لا يمكنه أن يعتقد أنه «شريك» للدوحة أو للرياض، أو أنهم يعتبرونه مساوياً لهم و»رفيق درب»؛ بل إن الوثائق تظهر كيف يرون أجراءهم كمحض أدوات: يصنفونهم طائفياً، ولا يحترمونهم، ويتوقعون منهم طاعة عمياء.
في الغرب، يستغرب البعض كيف أن النظام، الذي يعرف الجميع أن به الكثير من الفساد، يتوقّف فجأة وتعمّ الفضيحة إذا ما ضُبط مسؤول ــ أو شخصية عامة ــ وهو يتجاوز أو يرتشي. فيصاب الجميع بالصدمة ويُشهَّر بالمذنب علناً، ولو كان موضوع التجاوز بحدّ ذاته تافهاً، لا يفوق هدية أو قرضاً صغيراً أو تهرباً ضريبياً بمبلغ نافل. جان بودريار يقدّم إجابة عن هذا التساؤل بالقول إن هناك علاقة تخادم بين النظام والفضيحة: حتى يكون هناك قانون يجب أن يكون هناك مفهوم لـ»خرق القانون»، وحتى يكون هناك نظام وقواعد يجب أن تكون هناك «ووترغايت». مفهوم الفضيحة، إذاً، يرتبط بمفهوم الاستقامة، والاثنان يحتاج أحدهما إلى الآخر. أما حين لا تملك، أصلاً، مفهوماً للاستقامة والصدق والنزاهة، فإنك تخسر تلقائياً «القابلية للفضيحة»، مهما كان الكشف محرجاً ومذلّاً ومدمراً للصدقية.
لهذا السبب، بينما ينقّب الشباب في مصر والعراق وتونس في أرشيفات «ويكيليكس» بحماسة، ويفضحون، بقسوة، الشخصيات التي تورطت بالرشوة والتبعية وبيع الموقف، يجهد بعض أترابهم في لبنان، لا للدفاع عن المشهد المذلّ فحسب (ووثائق لبنان ونخبه، كالعادة، أكثر فضائحية من أي مكان آخر)، بل للقول إنّ المشهد «طبيعي» وهو حال الدنيا وهم يعرفونه أصلاً ويقبلون به. هم صارت لديهم، حرفياً، مناعة ضد الفضيحة.