منعت الرقابة اللبنانية أخيراً عرضاً للفيلم الوثائقي «لي قبور في هذه الأرض» (2014 ــ 110 د.) لرين متري، بدعوى أنّ المخرجة تهدد «الأمن الوطني وفيلمها يحرك الغرائز الطائفية ولا يقدم وثائق بل مجرد شهادات»، بالرغم من أن المجازر وعمليات التهجير الطائفي التي حدثت أثناء الحرب الأهلية قد وثقتها عبر الصور الفوتوغرافية التي انتقتها من أرشيف جريدتي «السفير» و«النهار» وبعضها من الأونروا (راجع المقال المقابل).


في «لي قبور في هذه الأرض»، تنطلق رين متري من قصة الأرض التي تملكها عائلتها في «عين المير» (قضاء جزين ـ جنوب لبنان) التي قررت بيعها ذات يوم لتستكشف ما تسميه الحربَ العقارية بين الطوائف وردّ فعل محيطها تجاه قرار بيع أرضها لمسلم. بعدها، تروح تبحث في تاريخ التهجير الطائفي الذي طاول المسيحيين في قرى شرق صيدا، راسمةً خريطة أوسع للتهجير الطائفي القسري وفظاعة العنف المتبادل بين الطوائف في بيروت والجبل عبر الشخصيات المختلفة التي تقابلها. الأم الفلسطينية تروي رحلة هروبها الطويل وعائلتها وتنقلها من مخيم إلى آخر، وصولاً إلى المجازر التي حدثت في المسلخ وخسارتها لابنها. في إحدى اللقطات المؤثرة في الفيلم، تختتم حديثها بـ«خرج علي ولم يعد» ثم تجهش في البكاء. تقولها في تساؤل مر كأن المشهد لا يزال مفتوحاً على الاحتمالات، والذاكرة كالسكين العالقة في الزمن تمنع مروره. أو المرأة المسيحية التي تستذكر رحلة تهجيرها من الدامور مع عائلتها، ومشهد صديقة طفولتها التي ذبحت وأهلها... ذلك الماضي الذي لا سبيل للتعايش معه كما تقول، ومن الأفضل تجنب ذكره حتى.


جمالية مبسطة وإيقاع
إنسيابي يدخلان في تناقض مع فظاعة الأحداث المتناولة
ليست ذاكرة موحدة تلك التي تتبناها المخرجة. عبر الشخصيات الآتية من خلفيات طائفية وجغرافية متنوّعة، من الشيعة إلى الموارنة والدروز والسنّة والشهادات التي تجمعها بالإضافة إلى صور الأرشيف التي توثقها، تسعى متري إلى إظهار مدى تشظي تلك الذاكرة، والتبادل المستمر لأدوار الضحية والجلاد فيها، والمهجَّر والمحتل. خريطة الخوف والتهجير التي ترسمها وإعادة التوزيع الجغرافي للطوائف ـــ بالرغم من قسوتها وبشاعتها ـــ تبدو بسورياليتها أشبه بلعبة بيت بيوت. هذا ما نلمسه في المشهد الذي تروي فيه المرأة الجنوبية رحلة هروبها التي قادتها إلى السكن في بيت هجره قسراً أهله المسيحيون. التفصيل الصغير الذي لا تزال تستذكره بألم هو دخولها إلى المطبخ وعثورها على الطعام الساخن الذي تركه أهل البيت الذين غادروا للتو. قد يبدو اختيار المخرجة لشخصية من كل طائفة أو منطقة، نموذجياً أو أكاديمياً إلى حد من الناحية السينمائية، لكنه يبرز كضرورة في عرض وجهات النظر المتباينة التي تتناولها المخرجة، وأجزاء الذاكرة المتناقضة والمتفاوتة التي تحاول إعادة تركيبها. ما يخفف من هذه النزعة هي حميمية الحوار والبوح بين المخرجة وشخصياتها. تخرج الذاكرة من طابعها المجرد لتؤسس لأرشيف أكثر إنسانية عن الحرب يدخل في تناقض مع فظاعة الصور الموثقة، مستكشفة ذلك الالتباس الذي ما زال قائماً في الحاضر بين ضرورة التذكر والنسيان في آن واحد... خريطة الخوف لا تزال حدودها قيد الامتداد بالرغم من المصالحة الظاهرية. نرى أيضاً الهيمنة الجغرافية والعقارية لطوائف على أخرى (كما الشيعة أو السنّة في الجنوب) أو جهات خارجية كما المستثمرون السعوديون الذين يراهم بعضهم تهديداً أكثر خطورة بعدما تقول إحدى شخصيات الفيلم. نشاهد أيضاً المخرجة في رحلة بحثها، تحاول جمع ذاكرتها الخاصة عن الحرب المشتتة والمبعثرة التي تعبّر عن ذاكرة جيلها الذي عايش الحرب في طفولته وظلت مبهمة في ذاكرته، وأبطالها كما البعبع في أفلام الكرتون، ما جعلها تبدو متنازعة دوماً بين الحقيقي والمتخيل. المخرجة كما تعرِّف عن نفسها من خلال الفيلم هي مسيحية الهوية، من دون أن تتبنّى وجهة نظر الطائفة التي تنتمي إليها في رواية الحرب الأهلية. على العكس كما تقول في الفيلم، لقد اكتشفت جزءاً من معاناة الطرف المسيحي كانت تجهله، فأكسبها ذلك نوعاً من التعاطف الذي كان مفقوداً تجاه المسيحيين، فيما كانت تعتبر أنّ الفلسطيني هو أكثر من عانى أو ظُلم. لكن وجهة نظرها تخضع للكثير من التحليل والتحول كما نلمس من خلال الشخصيات التي تقابلها. هي تحاول أن تكون محايدة من خلال وجهات النظر المتفاوتة التي تعرضها، إلا أنه لا يمكن الحديث عن موضوعية بحت في الفيلم أو في أي عمل فني أو سينمائي في المطلق. عدسة المخرجة والشخصيات المختارة أيضاً من كل طائفة، لا يمكن ألا أن تفرضا ـ ولو جزئياً ـ وجهة نظرها الخاصة إزاء الأحداث، عاكسةً بالتالي الوجهة العامة للفيلم وجزءاً من نظرة المخرجة. وهي كما تقول اختارت أن تعرف عن طائفتها في الفيلم، ولو أنها لا تحس بالانتماء العصبي لطائفتها ولا تتبنى كل مواقفها، لأنّها لا تستطيع أن تنكر أن البيئة التي تربت فيها تشكل جزءاً من تاريخها الشخصي، ومعرفتها المعمقة بها تمكنها من انتقادها على نحو أكثر دقة من بقية الطوائف. هو الشخصي إذاً يتماهى مع الوثائقي في لغة سينمائية موحدة تعتمدها المخرجة في شريطها. حميمية لا تقتحم خصوصية الشخصيات سواء تلك التي تقابلها أو خصوصيتها هي وعائلتها. كذلك، يعتمد البناء السينمائي في سرده على جمالية ترتكز على التبسيط لكنّها متقنة، من دون أن تتسم بالضرورة بطابع أكثر ابتكاراً في كل المقاطع كما نرى في المشهد المتكرر للمخرجة وهي تعلق الصور الفوتوغرافية على حيطان البيت القديم في قريتها في عين المير سواء من أرشيفها الشخصي أو أرشيف الحرب الأهلية. لكنّ هذه الجمالية المبسطة والإيقاع الإنسيابي اللذان يدخلان في تناقض مع فظاعة الأحداث المتناولة، يبعدان الشريط عن الجو الملودرامي أو التراجيدي وهذه نقطة قوته، بالإضافة إلى الجمالية الحميمية لبعض اللقطات المؤثرة سينمائياً وإنسانياً في الشهادات التي تصوّرها المخرجة. تكمن أهمية هذا العمل في خريطة الخوف المتجذرة التي تنجح المخرجة في رصد حدودها وامتدادها من الماضي إلى الحاضر، موثقةً بنحو أعمق ما قد نستطيع تسميته تاريخ أو أرشيف الخوف في لبنان عبر كل الاعترافات الشخصية التي تجمعها وتفصل لنا عبرها ذاكرة الحرب.