عدوّ الشعب رقم واحد اسمه الآن رين متري، المخرجة الشابة التي تعيق لجنة الرقابة عرض فيلمها «لي قبور في هذه الأرض». في لبنان الحياة الاعلاميّة والسياسيّة مصنع يومي للفتنة والعنف الأهلي، مصنع تُصرف عليه الملايين لشراء الذمم والضمائر، وتزوير الحقائق، وتشويش الوعي الجماعي، وتوظيف السياسيين والاعلاميين كدعاة تعصّب وتطرّف وتحريض (راجع #Saudileaks)… لكنّ الرقيب الذي نصّبه قانون من زمن آخر وصيّاً على الرأي العام، يحاول اقناعنا أنّ شريطاً ابداعياً، مشغولاً بنضج فكري وجمالي، «يهدّد السلم الأهلي»! إن «النظام الطائفي» في لبنان، يخلط بين المسبّبات وردود الفعل، ليخفي الجريمة الأصليّة التي تقوم عليها شرعيّته السياسيّة.


تنتمي رين متري إلى جيل «أركيولوجيا الحرب» الذي يصوّر الواقع كما هو. إنطلاقاً من تجربتها الشخصية، تحفر في تاريخ مثخن بالمجازر ومآسي التهجير. لقد صنعت فيلماً، وسط هذا «الربيع العربي» المغشوش، في زمن اعادة كتابة الخرائط خلف الضباب التكفيري، لتحاول أن تفهم: من هو هذا الآخر الذي يخيفنا وهو مقيم فينا؟ وهل يمكن تجاوز حاجز الخوف؟ سؤال هو جوهر المواطَنة، والترياق الوحيد الممكن ضدّ التفتت والانهيار. مثل سيمون الهبر في «سمعان بالضيعة» (2008) ، وبعده ديغول عيد في«شو صار» (2010) ، تخلق المخرجة صدمة الوعي، لتضعنا أمام مسؤولياتِنا الفرديّة: ألسنا شهود زور، لأننا، بتواطئنا السلبي أو الايجابي، بخوفنا المرَضيّ، كرّسنا هذه المجزرة الطويلة التي لا تنتهي من الانتهاء؟
أندريه قصاص وزملاؤه في «لجنة الرقابة»، إلتبس عليهم الأمر، فخلطوا بين الفيلم المؤلم والطاعون الذي يفضحه. الرقيب ينسب الجريمة إلى فاضحها لا إلى مرتكبها. الحارس على باب النظام الطائفي، يريد منع رين متري وأمثالها من الدخول، كي لا يخرّبوا لعبة التوازنات والمنافع المتبادلة. إن الرقابة المسبقة على الاعمال الفنيّة علامة تخلّف وانحطاط، واحتقار لذكاء الناس. منع الاعمال الابداعيّة من المستحيل أن يكون دفاعاً عن المصلحة العامة. بل هو تعزيز للكبت والعنف والحقد عن طريق الحظر والطمس والتجاهل. تعامل مع الجمهور كقاصر. خنق النقاش، ومصادرة حق النقد والتعبير. هذا المنع ـــ الرمزي، لأن الجميع سيشاهد الفيلم في النهاية ـــ وظيفته حجب الماضي، لضمان تكراره إلى ما لا نهاية.