لا نجد في «حكاية الشتاء» («شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» ــ ترجمة هالة سنو) لبول أوستر أفضل أفكاره. تأتي سيرة الكاتب الأميركي الذاتية التي صدرت بالإنكليزية عام 2012 لتؤكد أهميته الفكرية كروائي. بمعنى أنه في شخصيات رواياته يستطيع أن يُبدع فضاءات ثقافية خصبة وأصيلة بشكل لافت يميل معه القارئ الى أن يجد في تقديم شخصياته على تنّوعها، عرضاً لأفكار الكاتب نفسه. لكنه في سيرته الذاتية بذل جهده الشخصي لتجّنب توظيف أفكاره وحماية سرده من هذا الأمر.

الروائي والشاعر الذي ولد في نيوجرسي عام 1947 من أصل بولندي، يعتبر أن سرده في إصداره الجديد يبدأ في جسده، وبجسده أيضاً ينتهي في التّنقل ما بين طفولة وصبا وشيخوخة.

حكاية شتائية بطلها أوستر نفسه، وبطلها القارئ أيضاً في ثنائية متشابهة تُدرك جميع الأشخاص والأمكنة والأزمنة، حين يخوض الكاتب في أحداث يومية تقع لكل منا. هي أحداثنا، نحسبها للوهلة الأولى عادية ومألوفة، لنكتشف على يدي اوستر، ومن خلال سيرته الذاتية، كم هي مؤثرة وفاعلة، وقادرة على قلب موازين حياتنا وأحلامنا وحصاد أعمارنا كله.
يستدرجنا أوستر بذكاء يقارب الخديعة، الى تماهينا مع حبه وصداقاته وزيجاته وأمراضه وبالتالي حياته، وإمكانية موته في أي لحظة شأن أي كائن. ذاك الموت الذي تتعدّد طرائق حدوثه وحلوله؛ من ميتة عبثية الى أخرى فجائية وثالثة متوّقعة، لكنها كلها تبقى موجعة. رحلة حياة بكل تناقضات الحياة. بول أوستر هو الذي يتكلم هنا، في التأمل المتأني حول العلاقة المتبادلة بين الجسد والروح.
نعم، إنه المؤلف الذي يتكلم عنّا، ولكن كل شيء يقوله السرد، صحيح في المجال المغناطيسي لرحلة عمر بحلوّها ومُرّها، وفي رؤية الكاتب للأمور التي يصفها عن جسده بنفسه عن أمراضه وتقدّمه في العمر، ولا نملك نحن سوى مصادقتنا عليها.


يجعل الموت الحبكة غير المتشظية التي تخلق فوضى السرد

لعل أوستر الشاعر أيضاً، عدا عن كونه روائياً وصاحب «ثلاثية نيويورك» وسواها إلى جانب كتابته للسينما نصوصاً عدة، وجد في سرده الذاتي هنا، مرتعاً جيداً لتضمين شاعريته وتدويناته اليومية المقتضبة هذه. اليوميات تتوافد في السرد على هيئة «فلاش باك» ثم عودة إلى الحاضر. تشرح كم نحن كبشر لاهين، على قاب قوسين أو أدنى من الموت: زلة قدم أو لسان قد تفضي بنا الى الهلاك. يد تتناغم مع باقي أعضاء الجسد، وتقف وراء ابداعنا وعظمته، هي نفسها اليد العادية البسيطة التي بها نأكل ونسّرح شعورنا ونصفع بها أو نصافح.
رواية حياة أوستر أو سيرته الذاتية تستنطق الحياة ومكائدها كما أفراحها، ويتدخل بها الخيال قليلاً في اتحاد غير متباين بين الواقع وإعمال الخيال. ومن هنا الكيمياء الحقيقية لهذه السيرة التي عمل عليها أوستر بعد أن شارف على السبعينيات عمره، جاعلاً من الموت هو الحبكة غير المتشظية التي تخلق فوضى السرد وتُبلبلهُ. لكنه الموت الذي هو مجرد حجة (أحياناً كوميدية يعمد فيها الكاتب إلى السخرية) لحمل مجموعة مرويات يومية، وطُرف، وقصص، وخيبات، وتأملات. مع ذلك فالموت كذريعة يأتي ضرورياً لإعطاء رواية أوستر حسّ الرواية، أو على الأقل هي محاكاة تهكمية للحياة نفسها.
على أي حال، نعتقد أن هناك شيئاً أعمق لضمان عذوبة وسحر حياته الحافلة وسرده الأنيق. هي خبرته الفنية، وكتابته الفذة التي جعلت من سيرة عادية تحدث لأيّ منا عملاً ابداعياً لا يقّل ذكاء عما كتبه أوستر من روايات، كما ساهمت تيمة الموضوع (الموت) أو اللحن الرئيس للسيرة ولمجرى الأحداث... وهذا حقيقي تماماً.