في ترجمته «كلنا نولد مصابين بالغثيان» الصادرة أخيراً عن «دار الكتب خان» (القاهرة)، يقدّم لنا المترجم المصري أحمد شافعي الشاعر الأميركي راسل إدسن (1935 – 2014) في ثوبٍ جديد. ضمَّت الترجمة مجموعة مختارة من القصائد والحوارات الصحافية التي أجراها إدسن قبل وفاته من خلال أسلوب بسيط يغلب عليه التكثيف واللقطات الكاشفة. يقول شافعي في مقدمة الكتاب: «لولا بعض القصائد القليلة المتناثرة على مواقع إلكترونية ومطبوعات ورقية، لقلت مطمئناً، إن هذه أول مرة يصادف فيها القارئ العربي راسل إدسن.


وهذا الأمر لا أجد له أيَّ مبرر. فقد كان الصراع القائم حول قصيدة النثر يستوجب من أطرافه ــ أو طرفيه بالأحرى ــ أن يبحث كلٌّ عما يؤيده، وكان ذلك البحث ليفضي لا محالة بالطرفين إلى تيار كبير في قصيدة النثر الغربية ــ لعله وارث الفرنسيين الأوضح ــ هو تيار قصيدة النثر الأميركية الذي يضم قامات يصعب أن تخطئها عين، من أمثال تشارلز سيميك، وجيمس تيت، وروبرت بلاي، وراسل إدسن بالقطع». من هنا يتضح أنّ القصائد النثرية عند إدسن ظلَّت مرهونة بالأصالة والنقاء، فما بدأه الفرنسيون على يد ربيب «أزهار الشر» شارل بولدير، وصاحب «المركب النشوان» آرثر رامبو، قبض عليه هذا الجيل الأميركي ومنحه من فيضه. يوضح شافعي أن إنتاج المعنى ليس مسؤولية ينفرد بها النصّ أو كاتبه، بل إن القدر الأكبر منها يقع على عاتق القارئ. النصّ هنا فضاء مشترك بين القارئ والشاعر، ما يعني أنّ المتلقي يتحول في لحظةٍ ما إلى شريك أصلي في القصيدة المكتوبة. ويبدو إدسن شديد الإخلاص لخرافاته (Fables) ودعاباته، فهناك بعض القصائد الطريفة التي ربما لا تترك أثراً عند القارئ سوى ابتسامة مهذبة على ضمة شفتيه. كأن يقول في قصيدة «النافذة المنوَّرة»: «في الليل تطفو نافذة منورة كقطعة من ورق في الريح. أريد أن أنظر منها. أريد أن أصعد إلى غرفتها المنوَّرة. وحين أصل إليها، تنسلُّ من بين الشجر، وفيما أطاردها تتدحرج وتهوي في الهواء وتعدو وسط الليل».
يدين إدسن بالفضل لعزلته، فتلك العزلة قادرة على تحويل أبسط الأشياء إلى قصائد ملموسة. مثلها مثل الأشياء المنزلية البسيطة الصنع. هو يميل إلى تلك المساحة من الابتكار التي تبتعد عن كل ما هو محكي كأنه مخترع وليس مهندس ديكور.
يقول إدسن في أحد حواراته داخل الكتاب: «في البداية كنت أسعى إلى مصاحبة الكتّاب. وهذا طبيعي ومشجع، ولكنه شيء لم أعثر عليه قط. ظللت أحفر نفس الحفرة لسنوات. لذلك، لا يقدم سيد قصيدة النثر الصغير الآن أفكاراً تثير اهتمام أحد. فأفكاره لم تتغير على مدار السنين لأنه لم يكن ثمة ما يمكن أن يتغير أيضاً، وذلك لقنص الأفكار نفسها. ليس هناك سوى الكتابة، التي أعترف بأني لا أعرف عنها إلا أقل القليل. ويضيف الشعر الآن لسوء الحظ نادٍ اجتماعي. لم يعد يكفي المرء أن يكتب جيداً، إن كان يستطيع ذلك، بل ينبغي أن يكون المرء كائناً اجتماعياً».
لا يميل إدسن إلى التصنيفات، فالسوريالية الجديدة عنده موجة إبداعية أكثر منها قالباً منهجياً. إنه يميل إلى كل ما هو مغاير ومتجدد الدماء كأن يتفق مع برتون في نظرته إلى التفكير الحالم مصدر الطاقة الإبداعية. فوظيفة الشاعر الأكثر صعوبة تكمن في قدرتها على ترجمة الأحلام والإيماءات والاستعارة إلى ألفاظ وأبجدية مكتوبة. رغم خصوصية تجربة إدسن، إلا إنه يعدّ من أكثر شعراء الغرب تحريضاً على الكتابة. قصائده السهلة الممتنعة ذات قدرة فائقة على اختزال اللحظة وتصويرها ببطء حتى لا تفلت. الشاعر التشيكي ميروسلاف هولوب قال مرةً: «حينما أقرأ راسل إدسن، أصبح راسل إدسن نفسه».
حرص شافعي على أن تكون هذه الترجمة شاملة ووافية. ضمَّ الكتاب مجموعة من القصائد المختارة على فترات زمنية متباعدة، بالإضافة إلى حوارين أجراهما الشاعر مع مجلة «ذي رايترز كرونيكل» (1999)، ومجلة «الغرفة المزدوجة» مع مارك تورسي. لسنواتٍ طويلة، ظلَّت قصيدة النثر الأميركية فاعلة على أيدي مجموعة من الشعراء؛ على رأسهم عرابي جيل الـ»بيت» (Beat Generation) أمثال ألن غينسبرغ، وجاك كيرواك، وآخرين مثل تشارلز بوكوفسكي، عدا عن فناني تلك الهبَّة أمثال: بوب ديلان، بروس سبرينغستين وليونار كوهين. تلك الموجة الفنية التي فتحت فضاءات جديدة في الأدب العالمي. وعلى أيّ حالٍ، فإن تجربة إدسن الشعرية التي بدأت منذ الستينيات، ظلَّت عموداً راسخاً في قصيدة النثر الأميركية. وعندما يقول إدسن في مقطع من قصائده «كلنا نولد مصابين بالغثيان»، فإنه يشير إلى ذلك الحدّ الفاصل بين الحلم واليقظة، وبين ألفاظ الواقع وصمت الأحلام في محاولةٍ لفك طلسم الفعل الشعري. تلك الهذيانات اللذيذة إنما هي في الأساس قصائد نثر صافية كنبع يشق مجراه. وإدسن عندما يكتب قصيدة خفيفة كجناحَي قُبّرة، فإنه يحاول أن يطيّرها بعيداً عن فكّي الجاذبية الأرضية حتى لا يتبقى منها في النهاية سوى ذلك التخدير اللطيف الذي يداعب أدرينالين الجسد البشري.