شهدت الأسواق والليرة التركية يوم أمس تراجعاً لافتاً، متأثرة بحالة الاضطراب السياسي، وذلك بعد ساعات على إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، حيث خسر حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الأغلبية النيابية المطلقة التي كانت تسمح له بتأليف حكومة منفردة في السنين الماضية، وبات زعيمه، رجب طيب أردوغان، مضطراً إما إلى تأليف حكومة ائتلافية مع أحد أطراف المعارضة التي كان يتهم فصائلها كافة بـ«الجاسوسية والعمالة» في الحملات الانتخابية، أو اللجوء لحل البرلمان ودعوة الناخبين مجددا الى صناديق الاقتراع.


وسجلت بورصة اسطنبول هبوطا بنسبة 8% في بداية تعاملات الاثنين؛ وظل التراجع ظهر أمس يتخطى نسبة الـ6%، وذلك عند مستوى 77021.13 نقطة. وتراجعت أيضاً الليرة التركية إلى مستوى قياسي بلغ 2.8 ليرة للدولار، حيث خسرت نحو 4% من قيمتها أمام الدولار، بينما ارتفع العائد على السندات القياسية لأجَل عشر سنوات إلى 9.98%، صعوداً من 9.32% يوم الجمعة الماضي. وسارع البنك المركزي التركي إلى التدخل، معلناً خفض نسب الفوائد على الودائع القصيرة الأمد بالعملات الأجنبية لمدة أسبوع؛ وستخفض هذه الفوائد اعتبارا من اليوم من 4% إلى 3.5% للودائع بالدولار، ومن 2% إلى 1.5% لليورو، بحسب ما أفاد البنك المركزي التركي الذي أوضح أن قراره يأتي استجابة «للتطورات العالمية والمحلية الاخيرة».


يرى مراقبون أن
حساسية الأسواق والعملة تعكس
حقيقة المخاوف

وقال اوزغور التوغ، من مكتب شركة «بي جي سي» المالية في اسطنبول، «تسود حالة من الاضطراب السياسة التركية، نتيجة الانتخابات... وإلى حين تأليف حكومة جديدة، ستتواصل حالة عدم الاستقرار (في الأسواق)». وقال التوغ إن تحرك البنك المركزي التركي، برغم كونه «الأول لمواجهة انخفاض قيمة الليرة»، إلا ان تأثيره على قيمة العملة التركية كان محدوداً. وفي السياق نفسه، قال دينيز جيجيك، من بنك فينانسبنك، إن «نتيجة الانتخابات تمهد الطريق لمناقشات ومفاوضات سياسية مطولة يمكن ان تستمر أسابيع عدة... وبالتالي فان الاسواق ستركز على متابعة التطورات بشأن تأليف حكومة مستقرة خلال الأسابيع المقبلة».
ويرى العديد من المراقبين أن حساسية أسواق المال التركية والعملة التركية تعكس حقيقة المخاوف المتزايدة بشأن الاقتصاد التركي الذي شهد انخفاضا في النمو إلى ما دون نسبة 3% في 2014، وشهد ارتفاع نسب التضخم والبطالة والدين العام والخاص؛ علماً أن الأسواق كانت قد شهدت اضطرابات في وقت سابق من العام الحالي، وخاصة حين حصلت المواجهة بين أردوغان والبنك المركزي بشأن معدلات الفائدة. وقال وليام جاكسون، الخبير الاقتصادي في شركة «كابيتال ايكونوميكس» في لندن، إن حالة عدم الاستقرار السياسي التي أعقبت نتيجة الانتخابات تأتي لتضيف إلى «الخليط البشع» من المشاكل الاقتصادية التي تواجهها تركيا، وبينها «التضخم المستشري والعجز الكبير في الحساب الجاري والزيادة الكبيرة في ديون القطاع الخاص». ورأى جاكسون أن تركيا «ربما تكون الأكثر اضطرابا من بين الاسواق الناشئة الكبيرة في الوقت الحالي».
وبرغم مفاخرة حزب «العدالة والتنمية» بما يعتبرها إنجازاته الاقتصادية، وإعادة الاستقرار المالي والسياسي إلى البلاد بعد توليه السلطة عقب الازمة المالية بين عامي 2000 و2001، والتي أوشكت ان تدفع البلاد الى الانهيار الاقتصادي، يرى العديد من المراقبين أن ما يُسمى «المعجزة التركية» هي في الحقيقة فقاعة أوشكت على الانفجار، مشيرين إلى بيع حكومات «العدالة والتنمية» للأصول الوطنية، وتحفيز نمو «ورمي» عبر الاستدانة، حيث وصلت معدلات الدين الخاصة تحديداً إلى مستويات خطيرة، فضلاً عن تنامي معدلات البطالة وتباطؤ الاقتصاد. وفي هذا السياق، يرى مايكل هاريس، الخبير في الأسهم في شركة «رينيسانس كابيتال»، أن إنشاء ائتلاف يحظى بالصدقية يمكن أن يعود بالفائدة على تركيا، برغم اضطراب الأسواق على المدى القصير. وأضاف هاريس، «نعتقد أن وجود ائتلاف فعال سيسهم كثيراً في خفض مخاطر السوق الاقتصادية على المدى المتوسط»، وأنه «ليس امراً يثير الخشية».
(الأخبار، أ ف ب)