تونس | مرّ نحو مئة يوم على تسلم حكومة الحبيب الصيد لأعمالها، ومن المرتقب أن يقدم رئيسها، في بداية الشهر المقبل، تقريراً أمام البرلمان، يلخّص فيه أداء فريقه الحكومي، وذلك بالتوازي مع تقويم عمل كل وزارة ومدى نجاحها في تطبيق أولويات الحكومة الخمس التي أعلنتها عند تأليفها ونيلها الثقة.

في المقابل، فإن مواقف غالبية الأحزاب، وبخاصة المعارضة منها، لم تنتظر عبور عتبة المئة يوم، وطالبت بضرورة تغيير بعض الحقائب الوزارية، تحديداً عقب تصريح الصيد بأن بعض وزراء حكومته ارتكبوا أخطاء وكانت بعض تصريحاتهم غير مدروسة. ويضاف إلى ذلك، حجم الصعوبات الاقتصادية والتحركات الاجتماعية التي ميّزت الوضع العام في البلاد خلال الفترة الماضية.
ويجمع جلّ المتابعين للمشهد السياسي على أن هذه الحكومة لم تحقق المطلوب منها في غضون مئة يوم، بينما تتعالى بعض الأصوات المنددة بأدائها المهتز وغير المقنع، ما يطرح عدة تساؤلات حول مصير ومستقبل تونس، وخصوصاً في ما يتعلق بالوضع الاقتصادي الذي يشهد ارتباكاً وتراجعاً ملحوظاً ولم تنجح أي حكومة، سابقاً، في سن استرايجية واضحة للخروج منه.
ولعلّ ما يتفق عليه البعض أن أبرز نقطة ضعف في حكومة الحبيب الصيد تتمثّل في انطلاق أعمالها دون برنامج واضح في كافة المجالات، فضلاً عن ضبابية الرؤية وانعدام التنسيق بين مختلف الوزارات وغياب توجه سياسي واضح، وكذلك التصريحات المتضاربة وغير الموفقة في بعض الاحيان لبعض الوزراء.
في حديث إلى «الأخبار»، يرى الباحث التونسي المتابع للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، محمد العربي الماجري، أنّ الوضع الاقتصادي الراهن يؤشر إلى انفجار اجتماعي وشيك، وإلى فوضى اجتماعية لن تستطيع أي قوة سياسية ــ أو أمنية ــ كبح جماحها، لافتاً خصوصاً إلى كل ما يتعلق بسياسة الأجور وتعثر «المفاوضات الاجتماعية» وارتفاع الأسعار وتدهور العملة وتراجع صادرات أهم القطاعات الأساسية والمحركة للاقتصاد.
ويشرح الماجري أنّ فوضى الإضرابات «ستؤثر سلباً في جميع موازين البلاد ما لم يجرِ التحكم فيها وإيقاف نزيفها»، مشيراً في حديثه إلى «التراجع الكبير» في انتاج المحروقات في تونس والعجز الطاقي الذي بلغ عام 2014، بحسب معطيات حصلت عليها «الأخبار»، نحو 3 ملايين طن مكافئ نفط (وحدة طاقة)، فيما يصل استهلاك تونس من المحروقات ، يومياً، إلى 85 ألف برميل. وبناء على هذه الأرقام، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز والمحروقات ما زال هدفا بعيد المنال، فيما الهدف الأكيد هو تقليص العجز الذي يمثل اليوم معضلة كبرى.
وفي السياق، يؤكد المدير العام للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، محمد العكروت، أنّ تونس ما زالت بعيدة عن تحقيق اكتفائها الذاتي من المحروقات، وخاصة بعد انخفاض إنتاج البلاد من البترول إلى 54 الف برميل يومياً، في مقابل 57 الف برميل عام 2014 (الأمر الذي أكده سابقاً وزير الصناعة والطاقة والمناجم زكرياء حمد)، وهي حقائق تزيد من ضبابية المشهد الاقتصادي.
من جهة أخرى، تلقت السياحة التونسية صفعة قوية في ظل تواصل العمليات الإرهابية، إذ تراجع، مثلاً، عدد الوافدين منذ بداية العام الحالي وحتى العاشر من نيسان الماضي بنسبة 17.9 في المئة، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2014. وحدث التراجع برغم جميع المحاولات التي قام بها المسؤولون والمهنيون لإنقاذ ما تبقى من الموسم، وخاصة في ما يتعلق بالسياح الأوروبيين الذين كانوا على مرّ السنين «المورد الرئيس» للسياحة التونسية (سُجّل تراجع في صفوف السياح الأوروبيين بنسبة 9.7 في المئة خلال الفترة المذكورة أعلاه).
عنصر آخر لم تفلح الحكومات المتعاقبة في تونس منذ 2011 في السيطرة عليه، يتعلق بعائدات الاستثمار الخارجي، وقد تراجعت خلال العام الماضي لتبلغ حوالي 1800 مليون دينار، في الوقت الذي تستعد فيه تونس لتحسين الإطار التشريعي من خلال وضع مجلة استثمارات ترمي إلى جذب المزيد من الاستثمارات.
كذلك، تشكو عدة مشاريع في المحافظات من التعطيل، ويبلغ عددها نحو 382 مشروعاً، ما يمثل نسبة 87.2 في المئة من مجموع المشاريع المعطلة على المستوى الوطني، وتبلغ كلفتها 727 مليون دينار.
مجمل المؤشرات، المقلقة، جعلت حكومة الصيد تقف حائرة بين اتخاذ «قرارات ثورية» قد تقلب موازين البلاد فيواجهها بالصد الجميع، وبين العمل في صمت، وربما ببطء، حتى تمر السحابة وتعود البلاد الى ما كانت عليه، ولو أن عودة النسق الطبيعي ستكون صعبة جداً في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب.