لا يمكن وصف العلاقة بين الدولة اللبنانية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الآونة الأخيرة بالجيدة. حالات "سوء التفاهم" بين الطرفين تكررت كثيراً، وأوّل ما ظهر منها كان في العام الماضي خلال الاجتماع الذي حصل بين المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هيلين كلارك، والمفوض السامي لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين أنطونيو غوتيرس مع اللجنة الوزارية المكلّفة متابعة ملف اللاجئين السوريين. آنذاك وُصف اللقاء بأنه "صدامي" بين المفوضية، تحديداً والحكومة، وفيه طُرحت مسألتان أساسيتان: إعطاء قاعدة بيانات اللاجئين للحكومة ووقف النزوح.

يؤكد وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن "النزوح توقف نهائياً"، أمّا بالنسبة إلى الـ 1471 نازحاً الذين سجلتهم المفوضية بعد 5 كانون الثاني، فهؤلاء ـ وفق درباس ـ "خدعوا الدولة ودخلوا على أساس أنهم ليسوا لاجئين، ليتبين لاحقاً أنهم تسجلوا في المفوضية. عندما علمنا بذلك طلبنا من المفوضية شطبهم على الفور. وطلبنا منهم أيضاً وقف كل عملية التسجيل حتى للموجودين في الداخل، وقد استجابت المفوضية لذلك".
بدورها، تؤكد الناطقة الإعلامية باسم مفوضية شؤون اللاجئين في لبنان دانا سليمان، أنّ هؤلاء "كانوا مصنفين كلاجئين تحت وصاية المفوضية، إلا انه عندما طلبت الحكومة شطبهم التزمنا، لكننا أعربنا عن قلقنا من هذا الأمر". فالتسجيل، وفق سليمان، "لا يساعد المفوضية فقط، إنما هو أداة مهمة لتتبع الأرقام والاحتياجات وتجنب التوترات". وتضيف أن تسجيل أي لاجئ لا يفرض أي التزامات على الدولة، وليس وسيلة لتوفير دخول البلاد أو تحديد الوضع القانوني للشخص". إذاً فقد شطبت المفوضية هؤلاء من سجلات النزوح لكنهم بقوا في لبنان والحكومة في صدد دراسة الموضوع لتقرر ماذا ستفعل بهم.

يعترف درباس بأنه في مراحل معينة كان هناك توتر في العلاقة بين الدولة والمفوضية، لكنه ينفي حصول أي تباطؤ في عملية تسليم قاعدة البيانات للوزارة، يقول: "هناك اتفاقية لتبادل المعلومات والى اليوم تسلمنا معلومات 700 الف نازح وسنتسلم المعلومات الباقية تباعاً من دون اي مشكلة". يكشف درباس عن برنامج جديد لمواكبة الطوارئ السكانية بعد النزوح السوري منبثق من الوزارة وافقت عليه الحكومة. يتألف البرنامج من فرق ميدانية "لإعادة اجراء مسح للنازحين والحصول على معلومات أكثر بالتعاون مع المفوضية"، أما الهدف منه، فهو ان "يكون لدى الحكومة قاعدة بيانات وطنية".
تؤكد سليمان أن "المفوضية تلتزم حماية بيانات الأشخاص المسجلين لديها وبالتالي لا يمكن مشاركة هذه المعلومات إلا لأغراض محددة وبموافقة المعنيين". وفي ما يتعلق بتبادل المذكرات بين المفوضية ووزارة الخارجية، نيابة عن الحكومة، تقول: "وُضعت اللمسات الأخيرة في 9 كانون الثاني 2015 على الاتفاق، وبعد ذلك التقت المفوضية مع وزارة الشؤون الاجتماعية لوضع آلية لنقل البيانات. وقد حصل ذلك بشكل نهائي ويُعمل به منذ 4 آذار، ما يتيح لوزارة الشؤون الاجتماعية الوصول إلى البيانات". إذاً، بحسب المفوضية، إن بيانات 790 الف لاجئ متاحة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وبموازاة ذلك تعمل المفوضية على الحصول على موافقة اللاجئين الباقين لتبادل البيانات الخاصة بهم، على ان يكون الانتهاء من هذه العملية بحلول منتصف العام كما هو متفق عليه في تبادل الملاحظات مع وزارة الشؤون الخارجية.


المفوضية: لا يمكن مشاركة بيانات النازحين سوى لأغراض محددة وبموافقة المعنيين


أما بالنسبة إلى الاتفاق بين المفوضية والوزارة على عدم الكشف عن المعلومات لطرف ثالث، فيرفض درباس الحديث عن "المراسلات السرية"، لكنه يقول انّ "الاتفاق يقضي بأن تودع هذه المعلومات لدى وزارة الشؤون الاجتماعية لأن المفوضية مؤتمنة على حياة هؤلاء الناس. لكن نحن كدولة لدينا الحق في أن نعرف من هم هؤلاء الناس مع الالتزام التام بالسرية".
تعلن سليمان ان "الرسائل المتبادلة بين وزارة الخارجية والمفوضية حدّدت ان وزارة الشؤون الاجتماعية هي المستفيدة من البيانات المقدمة. وبالتالي اتُّفق مع الحكومة على أن تضع وزارة الشؤون ترتيبات لحفظ سرية المعلومات، ولا سيما في ما يتعلق بعدم عرضها على أي طرف ثالث، على ان يُرسل تقرير عن التسجيل شهرياً".
من جهة اخرى، تتحدث سليمان عن 51 الف طفل سوري وُلدوا في لبنان منذ عام 2011، من بينهم فقط 31% جرى تسجيلهم. لذلك إن الدعوة الى تسجيل الأطفال لا تعني توطينهم، إذ إن "المفوضية لم تدع اطلاقاً الى توطين اللاجئين، انما تنادي بتسجيل هؤلاء الاطفال وفقاً للقانون اللبناني بالتعاون مع الوزارات المعنية".
تنفي سليمان أي ضغوطات قامت بها المفوضية من أجل دفع الحكومة الى توقيع اتفاقية جنيف للاجئين، إنما بالعكس تشيد المفوضية دائماً بما قدمه الشعب اللبناني للاجئين. أمّا بالنسبة إلى عملية اعادة التوطين التي باشرت بها بعض الدول الغربية وفق معايير تمييزية (الدين، المستوى التعليمي...)، فتؤكد سليمان ان المفوضية تستند في "إعادة التوطين إلى المعايير الإنسانية التي اتُّفق عليها عالمياً. هذه المعايير تتعلق في ما إذا كان اللاجئ هو أحد الناجين من العنف (العنف الجنسي) أو التعذيب، لديه حالة طبية خطيرة لا يمكن معالجتها في البلد المضيف أو في خطر وقوع ضرر مباشر وخطير". وتلفت الى انه في عام 2014، "25٪ من اللاجئين الذين تقدموا لإعادة التوطين كانوا من ذوي الاحتياجات الطبية الخطيرة؛ 30٪ ناجون من العنف أو التعذيب؛ و20٪ يعانون من الأمرين على حد سواء".