منذ اندلاع الأزمة السورية في ربيع 2011، استقالت الدولة اللبنانية من مهماتها في مواجهة الأعباء الاقتصادية والتنموية والأمنية والسياسية لموجات النزوح السوري، بحجة النأي بالنفس. اعتُمدت سياسة الأبواب المفتوحة لأكثر من ثلاث سنوات، وحلّت منظمات المجتمع المدني، المحلية والدولية، مكان الدولة وأجهزتها في استقبال النازحين وتسجيلهم وإيوائهم، بعشوائية جعلت من كل من يجتاز الحدود من سوريا الى لبنان نازحاً، حتى ولو لم تنطبق عليه مواصفات النازح.

في تشرين الأول الماضي، وبعدما وصل عدد النازحين الى أكثر من ثلث اللبنانيين، اعتمدت الحكومة الحالية ما سمّي «ورقة سياسة النزوح السوري الى لبنان». وفرض الأمن العام إجراءات على المعابر لتقليص عدد الوافدين، وطُلب من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التوقف عن تسجيل نازحين جدد، وأعلن وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، في كانون الثاني الماضي، «ان النزوح السوري توقف وبات اليوم صفراً»...

قبل أن يتبيّن أن أعداد النازحين، منذ اتخاذ هذه الاجراءات، قد زادت!
ففي رسالة بعثت بها ممثلة المفوضية في لبنان نينيت كيلي الى رئيس الحكومة تمام سلام، في 23 نيسان الماضي، أقرّت بأن عدد «اللاجئين المسجلين خلال الفصل الأول من 2015 بلغ 38 ألف شخص». ورغم أن المسؤولة الدولية لفتت إلى أن هذا العدد «أقل بنسبة 75% عما كان عليه في الفترة المماثلة من العام 2014»، إلا أن ذلك يعني، فعلياً، أن الأعداد لا تزال في ارتفاع، وإن بوتيرة أخفّ، وهو ما يشير اليه الموقع الالكتروني للمفوضية (1,146 مليون نازح نهاية كانون الأول الماضي؛ 1,154 مليون نهاية كانون الثاني؛ 1,180 مليون نهاية آذار).


طالبت المفوضية الحكومة بإعطاء وثائق ولادة لأكثر من 35 ألف طفل سوري

وأشارت كيلي الى أن معظم الأشخاص المسجّلين حتى تاريخ الرسالة (42 ألف شخص) «وصلوا قبل الاجراءات الحدودية الجديدة» وأن «15% (6000) فقط وصلوا بعد الاجراءات»، ما يتناقض مع قرار الحكومة اللبنانية بعدم تسجيل أي نازح إضافي، الأمر الذي دفع درباس، نهاية نيسان، الى اتهام المفوضية بتسهيل «خداع الدولة وغشّها». وأكّد ان لا مساومة على رفض تسجيل أي لاجئ وصل الى لبنان بعد 5 كانون الثاني الماضي، وهو ما دفع بكيلي الى ارسال رسالة ثانية الى سلام، بتاريخ 28 نيسان الماضي، اشارت فيها الى انه «بعد إجراء المزيد من التحليل لعدد الأشخاص المسجلين لدى المفوضية تبين أن رقم الستة آلاف يشمل الاضافات الجديدة الى أسر اللاجئين المسجلين أصلاً ومعظمهم من الأطفال الحديثي الولادة».
وكانت «ورقة سياسة النزوح السوري الى لبنان» تضمنت ثلاث نقاط رئيسية، هي: تنظيم العبور عبر الحدود للحد من النزوح؛ تنظيم آلية منح بطاقات النزوح بحيث تنزع البطاقة من غير مستحقيها؛ وتقليص أعداد النازحين من خلال إعادة من يمكن منهم الى مناطق آمنة في الداخل السوري أو إعادة توطينهم في دولة ثالثة (resettlement). ويقتضي تطبيق هذه النقاط أن تسترد الدولة اللبنانية حقها في تسجيل النازحين. لذلك، تبادلت وزارة الخارجية رسائل مع المفوضية تطلب بموجبها «تزويد» الدولة اللبنانية بقاعدة المعلومات الموجودة في حوزة الأخيرة للتدقيق في أوضاع طالبي النزوح. وبعد مفاوضات وتسويف من المنظمة الدولية، تارة عبر التذرّع بالسرية وطوراً بمحاولة الالتفاف على وزارة الخارجية باللجوء الى وزارات أخرى، وافقت في 11 كانون الأول الماضي على تزويد الحكومة اللبنانية، عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، بـ «سائر البيانات المتاحة والمسموح تشاركها». وتعني العبارة تسليم المعطيات حول 700 ألف نازح فقط ممن وقّعوا في الاستمارات على بند يسمح للمفوضية بتشارك معلوماتهم، وتعهّدت بالحصول على تواقيع بقية النازحين في غضون ستة أشهر. واشترطت اتخاذ وزارة الشؤون الاجتماعية الترتيبات اللازمة «لعدم الكشف عن المعلومات لطرف ثالث»، تحت طائلة التهديد بوقف العمل بهذا الاتفاق. وعبارة «طرف ثالث» لا تعني، كما قد يُفهم منها، الدولة السورية حصراً، وإنما أيضاً الأجهزة الرسمية اللبنانية كالمديرية العامة للأمن العام التي يعدّ ملف النازحين واللاجئين والمهاجرين في صلب مهماتها!
واللافت في ما تضمنته رسالة كيلي الأولى أمران:
ــــ في ما يتعلق بالاتفاق مع وزارة الخارجية على تسليم بيانات النازحين، أشارت ممثلة المفوضية السامية الى أن اتفاقاً تم مع الشؤون الاجتماعية على آلية تتيح للوزارة «الوصول» الى (وليس الحصول على) البيانات، كما ترسل المفوضية تقريراً شهرياً الى وزارة الشؤون «لإطلاعها» (مجرد الاطلاع من دون الحق بالتصرف؟) على الاتجاهات السائدة في عملية التسجيل!
ـــ أثارت المسؤولة الدولية مسألة إعطاء وثائق ولادة الى أكثر من 35 ألف طفل سوري ولدوا في لبنان ولا يمتلكون «أي هوية معترف بها قانونياً». علماً أن ليس من صلاحية الحكومة إصدار وثائق تفيد بسورية هؤلاء الأطفال. أما إعطاء وثائق ولادة لهذا العدد الضخم، ولمن سيولدون لاحقاً، فسيشكل على المدى الطويل مشكلة في ظل مخاوف حقيقية لدى كثير من اللبنانيين من مخططات للتوطين. وهو الأمر الذي يبدو أن كيلي ترى فيه مجرد تهويل. إذ أبلغت صحيفة «السفير» في آذار الماضي أن لا أرضية لهذه المخاوف وان النازحين السوريين «سيعودون حالما يصبح الوضع في سوريا مستقراً»، الأمر الذي لا تبدو أي ملامح له في الأفق حالياً. وفي هذا السياق، تتساءل مصادر دبلوماسية عما يحول دون توجيه الأسر السورية الى السفارة السورية في بيروت لتسجيل وقوعات الأحوال الشخصية حسب الأصول؟

ارتياب

في النظام الأساسي لمكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين، يتولى الأخير إلتماس حلول دائمة لمشكلة اللاجئين من خلال مساعدة الحكومات والمنظمات الخاصة، «بشرط موافقة الحكومات المعنية»، في تسهيل العودة الطوعية للاجئين الى أوطانهم أو استيعابهم في مجتمعات جديدة.

آلية المفوضية تسمح للحكومة بـ«الوصول الى» وليس «الحصول على» البيانات
ومنذ اندلاع الأزمة السورية، حرصت المفوضية على التزام شرط «موافقة الحكومة المعنية» في كل البلدان المجاورة... باستثناء لبنان! لا بل سعت، في أكثر من مناسبة، إلى الضغط على لبنان لتوقيع اتفاقية جنيف للاجئين 1951، بما يعطيها صلاحيات واسعة في التعامل مع ملف النازحين بمعزل عن الحكومة، الأمر الذي يثير كثيراً من الارتياب. إذ أن النظام الأساسي للمفوضية، يتضمن «السماح بدخول اللاجئين» وليس حصرهم، و«دعم استيعابهم من خلال العمل على تسهيل حصولهم على الجنسية»، و«تزويدهم وثائق سفر»، و«السماح لهم بنقل ممتلكاتهم وخاصة تلك اللازمة لإعادة توطينهم». ويزداد الارتياب مع تقليص الدول المانحة لحجم مساعداتها، ومع إقرار المفوضية بأنها لن تكون قادرة على إعادة توطين (resettlement) أكثر من 100 ألف نازح في دول أخرى، بعدما رفض عدد من الدول الغربية والأوروبية التجاوب مع برنامج المفوضية لإعادة التوطين، فيما اعتمدت دول أخرى الانتقائية في اختيار من يُعاد توطينهم، سواء على أساس الطائفة أو المستوى التعليمي.
مصادر دبلوماسية تحدثت اليها «الأخبار»، تلفت الى أن «لدى المنظمات الدولية عموماً ميلاً الى محاولة نفخ نطاق ولايتها وتكبير دورها. وفي ما يتعلق بالمفوضية، فإن النزوح السوري هو الملف الأكبر في تاريخها، بحجمه وأبعاده وارتباطه بصراعات سياسية. أضف الى ذلك أن لبنان، بتركيبته وطبيعته، يغري الأجنبي عموماً، سواء كان سفيراً أو منظمة دولية، بلعب دور أكبر مما ينبغي له». لا تحبذ هذه المصادر توجيه اتهامات التآمر الى المفوضية أو القيمين عليها، لكنها تشير الى ان هذه المنظمة «تضخّمت بشكل مخيف، وآلية اتخاذ القرارات فيها لا تعود الى من يديرها وحده. وفي ظل وجود هاجس كبير لدى الغرب من موجات النزوح الضخمة، فإن هذه الدول قادرة دائماً على تمرير أجنداتها، خصوصاً أن العمل الفعلي للمفوضية على الأرض يتم بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية (NGO›s)، مع ما لكثير من هذه الجمعيات من امتدادات ومشاريع يدور حولها كثير من علامات الاستفهام».