ليس تفصيلاً أن تسجّل مقابلة مع الكاتب والصحافي وسام سعادة عن النيبال بحضور زوجته فرح. الحديث عن النيبال بحضور فرح، أشبه بالحديث بشغف عن عشيقة بحضور الزوجة. تبتسم فرح وتسجل بحركات بسيطة تعليقات صامتة، وأحياناً ناطقة. تبتسم بفرح فيه نسبة من شغف وسام، أو تبتسم ابتسامات صفراء، خصوصاً عندما يتحدث وسام عن انتظاره فرصة تسافر فيها زوجته، لكي يعود إلى «موطنه» النيبال في زيارة ولو قصيرة، إلا أنها ضرورية بعد حدوث الزلزال.


قبل أشهر قليلة ذهب وسام إلى النيبال وأمضى هناك شهرين كاملين في جبالها وقراها، مع سكانها وآلهتها، في بيوتهم ومعابدهم، بعيداً عن زوجته. لم يكد وسام يعود حتى وقع الزلزال، وتمنى لو أنه كان هناك لحظة وقوعه. يقول: «أنا متأكد من أن مكروهاً لم يكن ليصيبني. كنت سأنجو بالتأكيد من الزلزال».
بين عامي 2008 و2015، قام وسام بـ21 رحلة الى الهند والنيبال. نسأله: هل سافرت إلى غير هذين البلدين في هذه الفترة؟ يذكر لي مجموعة من البلدان التي زارها. فرح تستمع، ثم ترشق تعليقاً أشبه بتعليقات القضاة في المحاكم: لكن هذه البلدان زرتها في دعوات عمل... أي إنها ليست مثل الهند والنيبال. يبتسم ويهز رأسه موافقاً، ثم يتابع متوجهاً إليّ: «الهند، ودعك من المدن الأساسية، قارة ريفية. الهند الحقيقية في الريف. النيبال الحقيقية في الريف. عندما تزور هذين البلدين تتشكل لديك فكرة التعددية الكوزمية، اي ليس فقط تعددية الآراء والأفكار والأذواق، بل التعددية كمفهوم جوهري، كوني، ألوهي سابق على التناقض، ولهذا السبب عندما تسألني لماذا أحب الهند والنيبال إلى هذه الدرجة، لا أستطيع أن أجيبك جواباً واحداً لأن لدي تعددية جوهرية في الأسباب التي تدفعني للتعلق بهذه المنطقة من العالم».
يلتفت حوله في المقهى في ساحة ساسين في الأشرفية، ويحاول أن «يهند» (من الهند) المشهد، بتعدديته الجذرية، ليرى إن كنت سأحبه: «تخيّل هنا، ثلاث أو أربع بقرات، وهنا نحو عشرين كلباً ينامون على الرصيف، وهنا مجموعة من الغربان، ولديك هنا عدد كبير من المتسولين الذين يتجمعون في الشارع من دون أن يكونوا متطفلين، في المقهى هناك أغنياء بثياب هندية تقليدية، وهناك على تلك الطاولة سياح يبدون كالمستعمرين... أعني هناك تعددية حقبات، تعددية ملابس، تعددية لغات... وتعددية كائنات حية... هنا في لبنان يقولون هناك 18 طائفة، لكن لا تستطيع أن تعثر على هذه الطوائف في المشهد اللبناني. ولا يعني ذلك أنني أرى في النيبال والهند مجتمعات مثالية، ولا أن لدي حلاً نيبالو- هندياً للمشكلة اللبنانية».
كان حماس وسام سعادة لأفكاره الشيوعية لا يزال متقداً حينما زار النيبال أول مرة في عام 2001. كانت الزيارة نتاج خليط من الرومانسية الشيوعية لدى وسام حول بلاد تشهد ثورة (أو حرباً أهلية) فلاحين ضد إقطاعيين، ورغبته في التعرف إلى بلد جديد. لم يكن ليظن أبداً أن تلك الزيارة ستجعل من النيبال محجاً له، كلما تسنت له الظروف المهنية والمادية، وطبعاً الزوجية. وهذه الأخيرة مهمة جداً، فهو زار مع فرح الهند قبل زواجهما، ثم بعد زواجهما، أقاما شهر العسل في الهند. هنا تبتسم فرح واحدة من تلك الابتسامات التي لا يمكن أن تعرف ما يدور وراءها. فهي لم تحب الهند كما أحبها زوجها، ولا تشعر بأدنى شغف إلى ذلك المكان. ولهذا تفسيره لدى وسام، لأنه يميز، وهذا أمر ليس شائعاً لدى العرب، بين السائح (Tourist) وهو ما ينطبق على فرح، والمسافر أو الرحالة (Traveler)، والسائح يبحث غالباً عن المتعة المقرونة بالراحة، فيما يبحث الرحالة عن شظف العيش.
يسجل وسام مفارقة لافتة. إذ إن شغفه بالهند والنيبال، يستدعي هنا في لبنان إجراء هذه المقابلة معه للجريدة، بينما هناك عشرات آلاف المدمنين على الهند والنيبال في العالم، من دون أن يكون هناك أي اندهاش بشأنهم في بلدانهم. استخدم مصطلح «إدمان»، ويعترف أنه هو أيضاً مصاب به: «لو أنني لم أتزوج لكانت زياراتي إلى الهند والنيبال ستزداد، وكانت مدة بقائي بشكل متواصل هناك ستزداد سنة بعد سنة». هنا ينظر إلى فرح. وفرح تبتسم تلك الابتسامة الضائعة... «لا حزناً ولا فرحاً».