توقفت الحرب الأهليّة لكنها لم تنته. فعل التقاتل لا غير، هو ما تم إسكاته في حين أنّ تداعيات ما حدث، لا تزال تواصل تأثيرها في الحاضر حتى في حياة الجيل الذي لم يكن له يد في تلك الحرب بل جاء بعدها. من هنا تمكن قراءة «طابق 99» (منشورات ضفاف/ دار الاختلاف) للروائية اللبنانية جنى فوّاز الحسن (1985)، بعيداً عن كونها سرداً مُنتمياً لـ «أدب الحرب».


هي التي تتخذ من مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 والتقاتل الأهلي اللبناني أرضية روائية لها زمنياً، ولكن باعتبارها اشتغالاً فلسفياً يتيح لشخوص العمل فرصة لإعادة اكتشاف ذواتهم عن طريق الحكي نفسه أو ما يشبه لعبة المرايا التي تظهر من عتبات الرواية الأولى، وتعطي للذات مجالاً لرؤية ما نجح الكبت في كتمانه.
على هذا، سنرى هيلدا المسيحية التي كُتب عليها دفع أثمان باهظة بسبب مشاركة أهلها في الحرب وعمّها الذي قتل ثلاثة فلسطينيين وانتحر. هيلدا التي راحت الى نيويورك لتعلّم الرقص، فتقع في غرام الفلسطيني مجد المقيم في الطابق 99 حيث التقى بها. هو الأعرج الذي يحمل ندبته على جسد نجح في الخروج حيّاً من المجزرة في حين قُتلت والدته وجنينها. أمّا الأب فقد تحوّل من مُعلّم في الـ «أونروا» إلى مقاتل في الحرب ومن ثمّ كان هروبه إلى أميركا ليعمل بائعاً للورد.
وبسبب صراعها بين «الهُنا» و»الهُناك»، يكون قرار هيلدا بالعودة إلى بلاد الأرز نقطة لبداية طريق الألم في قلب الفلسطيني المولود في الشتات وبقائه في ذلك الطابق محاولاً إعادة ترميم ذاته بالتذكّر وتأمل وطنه البعيد حيث «يبدو المخيّم غير موجود وبدت فلسطين كبلاد ضائعة في الزحمة». كان مجد قد سألها قبل الرحيل كيف ستحكي لأهلها عن غرامها بفلسطيني وأعرج؟ من هنا تلوح فكرة تشير إلى أنّ الخسارات عبارة عن متوالية لا تتوقف عندما تبدأ، بل تواصل سيرها مثل نهر طويل غير هادئ. على هذا، تواصل الرواية تقدّمها لتظهر بلا نهايات محدّدة في خاتمتها اعتماداً على أن «مآسي الحروب لا تنتهي بعد حدوثها، بل تخالها تبدأ من هناك».
* جنى فوّاز الحسن ـ «طابق 99» (منشورات ضفاف/ دار الاختلاف)