«لماذا أكتب؟/ لماذا منحت نفسي وعمري للكتابة؟/ أقول ذلك أحياناً بفخر، أو تلذذ، وربما معاناة غامضة، لكنني لم أفكر لماذا فعلت ذلك بنفسي؟». بعد مجموعته «كسالى» التي نشرها إلكترونياً في مطلع الألفية، ثم «الغرام» (2009) التي كانت عبارة عن إعادة ترتيب وتنقيح وإضافة نصوص لمجموعته الأولى «كسالى» ورقياً، قرّر الشاعر وائل عبد الفتاح أخيراً مغادرة كسله راقصاً. «تانغو الأفيال» (الكتب خان للنشر والتوزيع) هو الاسم الذي اختاره عنواناً لمجموعته الأخيرة. يوحي العنوان لقارئه بأنّ كاتب هذه المجموعة شاعر يمتلك روحاً ساخرة، وسريعاً سيصل القارئ إلى النتيجة نفسها خلال تنقله بين نصوص الكتاب. روح خفيفة تميل إلى الفكاهة البسيطة الساخرة من الألم والأمل معاً.


قد يعرف كثيرون أن وائل عبد الفتاح ناشط صحافي وسياسي فقط، بينما هناك جانب آخر منه اختار لسنوات أن يبقيه طي الرفوف أو بين مسودات على الكمبيوتر، بسبب الكسل أو الإهمال أو ربما بسبب استسلامه للروتين اليومي، لكنّ روح الشعر بقيت حاضرة لديه بطريقة أو بأخرى. ولعلها استطاعت أخيراً أن تحرره أو أن تتحرر وتصل إلينا على طريقته، مع هذا فهو لم يستطع أن يتخلص من كسله. وهذا تماماً ما أراد أن يقوله لنا في النّص الذي يفتتح «عندما تحطم الميتافور» الذي ضمه إلى مجموعته الجديدة، مع الإشارة إلى وجوده ضمن نصوص مجموعته الأولى، ولعله أيضاً النّص الذي كان البذرة لخروج هذا الكتاب بهيئته المكتملة بعد هذه المدّة الطويلة. من خلال مقارنة بسيطة وسريعة حول الطّريقة التي يرتكز عليها الشاعر لكتابة نصوصه بين المجموعة الأولى والأخيرة، يتضح أنّ السّمة المشتركة والأبرز هي الكسل. وإن كانت تبدو أشدّ وضوحاً في الأولى، فإنه دائماً ما كان يلعب دور المراقب في كتاباته أو الملاحظ أو بشكل أدق الوصف المشهدي، متنقلاً بين السّرد تارة والشعر تارة أخرى، من دون التّعمق في التفاصيل الصغيرة أو المهمشة. إنه على أي حال يرى الحدث وينقله بشكل مختلف كما يراه أو يعتقد، بشكل بسيط، سلس، مبني على السخرية حيناً وأحياناً قليلة على العاطفة. «لا أخطاء في الرقص» تظهر هذه الجملة في الصّفحة الأولى من المجموعة، وهي جملة ذكية وموجزة، يسمح لنا الشاعر من خلالها بالولوج إلى عالمه لنتعرف إلى شخصية ترفض الاعتراف بالقيود والمسلمات. وهو بذلك يتفق مع المقولة «خطآن يصنعان صواباً»، إذاً لا مكان للفشل في حياته، ولا للاستسلام، ولا للتّوقف والتساؤل عن الأمور التي فعلها في الماضي.


نصوصه قائمة على حالات وأماكن وشخوص مختلفة ومغايرة

هذا ما نستشفه من خلال تجربته، فنصوصه قائمة على حالات وأماكن وشخوص مختلفة ومغايرة في كل مرة وزمن متجدد، إذ لا وجود لذكر الماضي إطلاقاً، باستثناء مرتين وبشكل غير مباشر خال من الحنين، «أسير على الرصيف دون أسلافي/ ذاكرة العائلة ضعيفة/ تحتفظ بالحنين إلى الأزمنة السعيدة/ بلا حكايات أو أبطال/ السلالة بعيدة، بلا عناوين، وأنا وحدي في المدينة، أداري اسم العائلة، خجلاً أو حرية، أو هروباً من أشباح غائمة». الرقص عند وائل عبد الفتاح حالة دائمة وليست استثناء، ولهذا تظهر لنا المفردة كثيراً في نصوص الديوان، ولعلها في الحقيقة محاولة للتخلص وللتخفف. وربما يأتي الاستمتاع نتيجة عرضية غير مقصودة، للتّخلص من نصوصه، ومن أفكاره، ومن مشاريعه المؤجلة، ومن قلق البقاء وحيداً ومن الانتظار، والتّخلص من الروتين أيضاً، وهو مصرّ على النّجاح مهما كلف ذلك من ثمن: «جسمك ليس واحداً/ قد ينجح واحد من أجسامك».
أما عن فيله، فيستمر في نقله بين عدد من النّصوص كما لو كانت الورقة هي رقعة الشطرنج التي يراقب من خلالها تحركاته وما يفعله الآخرون. وربّما يعود استخدامه لهذه المفردة بسبب كون هذا الحيوان صاحب ذاكرة قوية، وهو بالأصل يعيش في مناطق بعيدة عن البشر. ورغم أنه الحيوان الأضخم على اليابسة، إلا أنّه سريع التّوتر وتفزعه القوارض الصغيرة التي تتحرك تحت قدميه ولا يراها بسبب ضعف بصره: «أسوار المدينة في قلبها الآن/ والفيل يمر عبر ممرات لا يعرفها غيره/ الفيل يحبّ الشوارع الصغيرة الملتوية ويبدو غريباً أينما حل/ أليفاً كلما منحه شخص ما جزءاً من روحه... اتركوه يتعلم الوقوف على قدم واحدة/ اتركوه يلف مثل فراشة/ ويقف على أطراف أصابع تبدو من بعيد غليظة،/ لكن عصبها لديه/ موهبة لم تكشف بعد». «تانغو الأفيال» تركيب غير منطقي لزمن غير منطقي ولأحداث غير منطقية، قد تبدو منطقية أحياناً، لكن نتائجها غير منطقية. إنّه المنطق الذي يجب أن يكون عليه الشاعر، وهذا ما يجعل من نصوصه حية ملامسة للواقع ومؤلمة.