يوثّق «وجدت لتنتصر ــ جبهة المقاومة الوطنية» (الفارابي) لسنوات المقاومة العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمّول) التي انطلقت خلال اجتياح الــ 82. أمام انعدام أي أمل في تسجيل كتاب تاريخ رسمي يذكّر بإنجازات الجبهة، يكاد يختفي أثر تلك السنوات حتى من الذاكرة، خصوصاً أن المقاومة الحالية (الإسلامية) توثّق عملياتها منذ انطلاقتها وعبارة «نكمل الطريق» التي يردّدها قادتها لن تفرج عن الحقيقة الكاملة لبدايات المقاومة الوطنية. دور توثيقي بحت يؤديه الكتاب لحفظ ذلك التاريخ، مستهلاً برواية حركة المقاومة الوطنية لهذا الاحتلال منذ نشأته وقبل أن تطأ قدمه الأرض على الحدود اللبنانية المعترف بها بعد الاستقلال إلى عام 2006.


المؤلّف الذي أنجزته مجموعة من أسرة «دار الفارابي» بإشراف مدير الدار حسن خليل، وقدّم له أمين عام «الحزب الشيوعي اللبناني» خالد حدادة، يستند بشكل أساسي إلى وثائق وشهادات من عاش تلك الحقبة، ومن شارك فيها بشكل مباشر وغير مباشر، خصوصاً كوادر ومقاتلي «الحزب الشيوعي اللبناني». لا تكمن أهميّة الكتاب في استحضاره لماضي المقاومة فحسب، بل أيضاً في توثيقه لجميع العمليات بالتفاصيل والتواريخ. عمليات نوعية لا تعدّ ولا تحصى، خلّفت تأثيراً هائلاً على جيشي الاحتلال الإسرائيلي واللحدي في جنوب لبنان، وأفقدت الإسرائيلي صوابه. أما الردّ فجاء كعادته هائجاً ومنتقماً من القرى والمدنيين حتى وصل عدوانه الى مناطق قريبة من العاصمة كما فعل مرّة في كانون الأول عام 1989 حين استهدف مقر قيادة «الحزب الشيوعي» في منطقة الرميلة. كان المقاومون يشتبكون من أماكن قريبة وكانوا يبقون في ساحة المعركة لساعات وأيام يحاصرهم الإسرائيلي ولا يتمكن من هزيمتهم. وفي بعض المواجهات، استعمل السلاح الأبيض كما في عملية جبل الشيخ التي نفذتها مجموعة الشهيد جمال ساطي في أيلول 1987 التي أُسر خلالها أنور ياسين.


استشهد ثمانية شيوعيين أثناء تصديهم للإنزال الإسرائيلي في عدوان تموز

تحضر أيضاً مرحلة المقاومة التي انطلقت بعد «اجتياح 82» من بيروت الى صيدا والجبل والبقاع، وكانت مختلفة باختلاف طبيعة المدن عن القرى الحدودية. لاحقت المقاومة الجيش الإسرائيلي إلى الجنوب بعد انسحابه واستعادت دور الفلسطيني الذي كان قد غادر بعد الاتفاقية التي ضمنت رحيله. مراسلات بين المُخطط والمنفذ، خرائط، ووثائق تم الحصول عليها بعد أسر جنود اسرائيليين أو قتلهم، ووصايا الشهداء وسيرهم الذاتية وأسماؤهم (مع الإبقاء على سرّية أسماء الأحياء من المقاومين) وغيرها من الوثائق المهمة، نقرأها أيضاً ضمن الكتاب. كانت بيانات المقاومة الوطنية تتحدث ببطولة عن عمليات يقوم بها «حزب الله» الذي كان حديث الظهور على الساحة الجنوبية أواسط الثمانينيات، وتسمّي معتقليه وتشيد بعملياته الاستشهادية التي كانت «جمول» تتبعها أيضاً. يذكّر الكتاب بتلك الحقبة التي اختار فيها «الحزب الشيوعي» تنفيذ هذا النوع من العمليات، متسلحاً بأسبابه العقائدية الخاصة غير الدينية، مقدماً نماذج كلولا عبود ووفاء نورالدين وجمال ساطي الذي ركب الحمار وفجّر نفسه في مقرّ الحاكم العسكري الإسرائيلي في زغلة (حاصبيا) في آب عام 1985. ورغم حصة المرأة الكبيرة في المقاومة العسكرية (عبود، نور الدين وسهى بشارة)، ومهمّاتها الاستخباراتية واللوجستية، إلا أن الكتاب لم يذكر الّا نموذجاً واحداً لمشاركة المرأة في التحضير والمساعدة في إنجاز الضربات العسكرية.
هناك مساحة للمقاومة الشعبية، نقرأ فيها قصصاً من المقاومة المدنية التي خاضها الناس في القرى المحتلة، عبر المواجهات والإضرابات والاحتجاجات، بالإضافة الى حركة النضال والدعم من داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية. الكتاب عبارة عن فهرس بالعمليات، ومكان وزمان تنفيذها والخسائر البشرية والعسكرية التي ألحقتها بالاحتلال. وثيقة كان يمكن لها تتخذ شكلاً مختلفاً، تمكنها من الوصول إلى شريحة أكبر من الناس، لو أنها تجنبت الأسلوب الدعائي، واتبعت طريقة سرد مختلفة. في نهاية المطاف، وبعد الذروة التي حققتها «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» يتقلّص عدد العمليات تدريجاً مع التقدّم في الزمن، خصوصاً بعد اتفاق الطائف. يتوقّف الكتاب عند أسباب هذا التراجع، متناولاً بخجل الأسباب الداخلية التي أدّت إلى ظهور مقاومة عقائدية من لون واحد على الحدود. هكذا يختصر الحديث عن اغتيال مقاومين شيوعيين على الشريط الحدودي، وعن عزل القيادات العسكرية والسياسية العلمانية في الداخل. النقد الذاتي مطلوب طبعاً، لكن عملية الإلغاء والانفراد بالقرار العسكري على الحدود حقيقة أيضاً، لا يمكن لمرور الزمن التقليل من أهميتها. خلال عدوان تموز 2006، خرج شيوعيون ببنادقهم للتصدّي للإنزالات الإسرائيلية من دون أي خطة أو قيادة، لينضم الى القافلة ثماني شهداء، مؤكدين أن الهدف كان ولا يزال مقاومة إسرائيل. حقيقة يؤكدها الكتاب أيضاً، مختتماً فصوله بهذه الحادثة.