«نحن على الحدود»، «صوّريني مع السياج»، «هل هذه هي إسرائيل؟»، «أين الجولان؟»...

هذه، ومثيلاتها من عبارات، تكرّرت على لسان نحو 150 زائراً جاؤوا من مختلف المناطق اللبنانية لممارسة رياضة المشي (الهايكينغ) في منطقة بنت جبيل نهاية الأسبوع الفائت.
هي المرة الأولى التي تنطلق بها رحلة النادي السياحي بهذا العدد من المشاركين. كما أنها المرة الاولى التي يتجه بها النادي إلى هذا المكان، إذ قلّما أدرجت المناطق الجنوبية الحدودية على جدول رحلات السياحة الداخلية. لذا، كان الإقبال كبيراً، واستدعى ثلاث باصات كبيرة تحمّل ركابها الذين قدموا من مختلف المناطق اللبنانية مسير ست ساعات ذهاباً وإياباً، لممارسة بعض الرياضة والتعرّف إلى منطقة لم يسمع عنها معظمهم إلا في وسائل الإعلام.

كلّ العناوين مثيرة لتكون الرحلة مغرية، ويتقن المنظّم استخدام عوامل التشويق. يقف في الباص ليحكي عن الترتيبات «فليتأكد الجميع من أنه يحمل بطاقة الهوية، قد نتوقف عند حواجز الجيش، والأجانب حصلنا لهم على تصاريح لدخول المنطقة». هذا ليس كلّ شيء «مبدئياً نحن سنسير نحو 9 كلم بين بلدتي يارون ومارون بمحاذاة الحدود، لكن قد تحصل تطورات كأن يطلب منا الجيش تغيير مسارنا، أو قوات الطوارئ الدولية... عليكم أن تتوقعوا كلّ شيء».
يستمع الجميع باهتمام، فيما تعلّق فتاة جنوبية تشارك في الرحلة: «لم أكن أعرف أن الذهاب إلى الجنوب صعب إلى هذا الحد». تحكي عن مبالغة في تقديم الأمر، لكن تعجبها ردود الفعل التي تلاقيها من المشاركين إثر كلّ تقدّم للباص جنوباً. صور الشهداء تنتشر في معظم القرى، وعند مدخل بنت جبيل ترتفع مجسمات لصواريخ الكاتيوشا. مشهد يثير إعجاب البعض، ويخرج أحدهم باقتراح: «لو كنت مكان المعنيين، لوضعت آلة تتيح إطلاق صاروخ لكلّ من يدفع 500 ليرة».
كلّ التعليقات التي ستنطلق لاحقاً ستكون مرتبطة بحرب تموز 2006، وبالمقاومة. لن تمرّ كلمة «اسرائيل» مرور الكرام في حال تلفظ بها أحدهم هنا. «قل فلسطين أو الأراضي المحتلة» تقول فلسطينية مشاركة لأحدهم. يحاججها: «حسناً، سأقول أيضاً إنها غير موجودة على الخريطة». أما زميله فيوافق: «طبعاً هي فلسطين، لكننا نحكي عن الأمر الواقع».
الأمر الواقع الذي يعرفه سكان المنطقة أن فلسطين تبعد كيلومتراً واحداً عنهم، وأنهم سيدخلونها. وإلى حينه، عيونهم ترحل إليها كل يوم، كما غنّت فيروز يوماً. هذا ما كان يطمح إليه رئيس الهيئة الإيرانية لإعمار الجنوب، المهندس الراحل حسام الدين خوش نويس، إذ ينقل عنه قوله، خلال إشرافه على إنشاء «حديقة إيران» في بلدة مارون الراس: «سأجعل من هذا المكان معتمراً للناس لأجعل عيونهم شاخصة الى فلسطين».
كلّ ما في الحديقة صمّم بشكل يحقق هذا الهدف. من خلال الموقع الذي اختير بعناية ليطلّ على فلسطين، ووضعت مناظير ليستخدمها من يرغب في رؤية قريبة للأراضي المحتلة. كما يزّين مجسّم لقبة الصخرة المصلى القائم في المكان. أما الألعاب التي وضعت في تصرّف الأطفال فهي تحاكي العمل المقاوم.
ولأن القيّمين على المكان نجحوا في تحقيق هذا الهدف، وإبقاء فلسطين حاضرة، كانت الحديقة على موعد مساء الأحد مع وفد فلسطيني جاء من مخيمي البداوي والبارد، لإحيار نشاط على أبواب الذكرى السابعة والستين للنكبة الفلسطينية التي تصادف في 15 أيار المقبل.