تخترقُ سِكَّة الحديد القديمة غابات القصب كثعبان عملاق ميْت. يستريح الوقت ظُهراً كسلحفاة توقّفت عن السير بعد مشي طويل. الورود البرتقالية المُتلاقِحة عشوائياً تحكي قصّة المكان والزمان معاً. بوّابة البحر مقفلةٌ على مشاريع «حيتان المال» لكنها مفتوحة أمام ذوّاقة الاستكشاف وعشّاق الطبيعة. لم تكن الطريق إلى «خليج السلاحف» في المنصوري (جنوب صور) «سالكة» تماماً قبل تحرير الجنوب في العام ألفين. «كانت زوراق الاحتلال تسرح وتمرح في البحر»، وبعد ذلك صار الشاطىء محطّ أنظار أصحاب المشاريع السياحية والعقارية. «كانوا يريدون انشاء مدينة ملاهي ومسبحاً للنساء».


تعرف عاشقة «عالم الحيوان» منذ كانت طفلة صغيرة أنّ الشاطئ القريب من «أرض العائلة» هو موطن للسلاحف البحرية وأعشاشها. عادت المرأة من هولندا بعد غياب عن بلدها لأكثر من خمس وعشرين سنة لتحقيق حلمها. دافعت عن الثروة البحرية المهدّدة بالانقراض وخاضت معارك كثيرة مع البلدية وبعض النافذين، إلى أن نالت اعترافاً رسمياً عام 2008 بتحويل الشاطئ على مساحة كيلومتر ونصف الكيلومتر إلى حِمى بحرية.


نالت اعترافاً في عام 2008
بتحويل الشاطئ إلى حِمى بحرية


لا علاقة لاسم البيت بالسّلاحف. اللون البرتقالي كان مجرّد تحية إلى موطنها الثاني (هولندا) الذي عاشت فيه زمناً طويلاً. «البيت ورثته من أهلي، وقمت بتطويره ليستوعب الفكرة ويؤمن جزءاً بسيطاً من حاجيات الروّاد». صار «البرتقالي» وجهة مقصودة حتّى من دول بعيدة خصوصاً في موسم السلاحف الذي يمتد حتى أواخر تشرين الأول. «في السنوات الأخيرة وبفعل الأحداث الأمنية تقلّص عدد الزائرين من الخارج وزاد عدد اللبنانيين». تعيش المرأة في «مملكة» خاصة بها، حولها عدد من الأشجار والحيوانات والطيور. في حديقتها تزرع أصنافاً عديدة من النباتات بينها الشاي الأخضر عالي الجودة. تزداد المرأة شباباً كلّما تقدّم بها العمر(67 سنة) وتهوى الأطفال الذين أنشأت لهم نادياً خاصاً. «بس شوف ضحكة الولد هوي وحامل الزلحفة بنسى كل تعبي». تلفت إلى أن الصغار هم مَن يحرّضون أهلهم على زيارة الشاطئ وتراهن عليهم «للمستقبل». يتهمها البعض بـ«الجنون» ويقول لها آخرون: «زوّدتيها». تُسَرُّ لسماعها ذلك وتقول كمن يتحدّث عن أولاده: «السلاحف البحرية كائنات حيّة يحق لها العيش الكريم على هذا الكوكب. لا أفهم لم يصرّ الإنسان على ان يكون عدواً لهذه الحيوانات اللطيفة». والسلاحف، بحسب خليل، هي «كائنات حسّاسة جداً وتخشى من حركة البشر والضوء والنار».
على الشاطئ الرّملي، يشير علي الذي يعمل في «المشروع» منذ ثماني سنوات إلى أهمية نظافة الشاطئ. «نحرص على تنظيف الشاطئ بشكل يومي وهي مسألة مهمة وضرورية حماية للسلاحف من بعض المواد الضارة، كما لتأمين بيئة نظيفة لروّاد الشاطئ». يتشارك علي المهمة مع منى ورامي. والأخير عرف صاحبة المشروع منذ أربع سنوات وصار بمثابة ابنها. يتحدث الطالب الجامعي بشغف عن البحر والسلاحف: «عنّا اشيا كتير حلوة مش عارفين قيمتها». يشرح كل من رامي وعلي آلية رصد «حركة السلاحف» مِن وإلى البحر كالآتي: «نبدأ دورياتنا الرسمية في الرابعة صباحاً. في المواسم يبدأ السلاحف بالمجيء تحت جنح الظلام أو قبل الفجر. نعرفها من آثار أقدامها.

عملية البحث عن أعشاش السلاحف قد تأخذ وقتاً طويلاً

نبحث عن الأعشاش التي تكون مغطّاة بالرمل. والعش عبارة عن حفرة في الرمل تقوم بحفرها وردمها إناث السلاحف لتقوم بعد ذلك بعملية تمويه في الرمل كي لا يتنبه لها أحد».
يقول الشابّان إن عملية البحث عن أعشاش السلاحف قد تأخذ وقتاً طويلاً في بعض الأحيان، حيث يجرى تسييج مكان العش بالشباك بعد العثور عليه لحمايته من الحيوانات. وبعد خمسة وأربعين يوماً تبدأ عملية «تفقيس» البيض على حرارة مناسبة يؤمّنها المناخ الذي يسهم التغيّر الحاصل فيه في تقلّص عددهم. وبعد ذلك؟ يقول رامي: «السلاحف المكتملة الولادة نتركها لتذهب إلى البحر مباشرة. أما صغار السلاحف التي تحتاج إلى عناية فنتكفّل في أمر رعايتها قبل أن نعيدها للبحر». في المياه تبدأ حياة السلحفاة حيث تعود أنثاها بعد خمس وعشرين سنة لتبيض في المكان نفسه الذي خرجت منه. «هيدا اذا عاشت».
فوق البيت الذي تعرّض لقصف إسرائيلي في حرب عام 2006 وأُعيد ترميمه، تُحلّق طائرة مروحيّة تابعة لـ«اليونيفل» على علوّ منخفض. ترحّب ربّة البيت بالزوار الذين جاؤوا من بلاد بعيدة. نسأل هؤلاء: «لماذا جئتم إلى هنا»؟ يقولون: «للسبب ذاته الذي جاء بك إلى المكان». يضحكون، قبل أن يصعدوا إلى إحدى غرف المنامة التي كانوا حجزوها مسبقاً.