بدا وكأن كل واحد من المتعاطين في كرة القدم اللبنانية يحمل سيرة ذاتية ويقف على باب الاتحاد اللبناني لكرة القدم مرشِّحاً مدرباً يعرفه او لا يعرفه ليكون على رأس الجهاز الفني لمنتخبنا الوطني في الفترة المقبلة.

الأكيد ان الخطوات التي قام بها كثيرون لم تكن بدافعٍ وطني او حرصاً على عدم الوقوع مجدداً في مطب اختيار مدربٍ يهدم كل ما بني قبل وصوله، بل ان جلّ «مديري الاعمال الجدد» الذين فتحوا خطوطهم مع الخارج فور علمهم بنبأ ذهاب الاتحاد نحو تعيين مدرب اجنبي جديد، لم يكن «قلبهم على المنتخب»، فقد اخذوا الحسابات الشخصية كمبدأ قبل اي شيء آخر.

لكن ماذا لو سألنا أنفسنا: إلى أي مدربٍ نحتاج للنهوض بمنتخبنا من جديد، بعد توالي النكسات مع غير المأسوف على رحيله الايطالي جوسيبي جيانيني؟
الحقيقة نحن لسنا بحاجة الى مدربٍ معروف، بل الى مدربٍ يعرفنا، اي بمعنى مدربٍ يعرف القيمة التي وصلت اليها الكرة اللبنانية في الفترة الاخيرة بعد الحملة الناجحة في التصفيات المونديالية السابقة.
نحن بحاجةٍ الى مدرب يعرف واقع الكرة في بلادنا، بسوء ملاعبها التي تستضيف المباريات، وبكوارث الهيكلية الادارية والفنية غير الموجودة في غالبية الاندية التي تلعب الادوار الاولى.
نحن بحاجةٍ الى مدرب يعرف على هذا الصعيد كيفية النشأة الخاطئة للاعب اللبناني والتأسيس غير العلمي له، ويعلم ايضاً ان اللاعب نفسه يملك موهبة فطرية، اذ لو قُدّر له وولد في بلدٍ آخر لربما كان اليوم نجماً يحصد ملايين الدولارات لا مجرد هاوٍ يعمل طوال النهار من اجل بضع اوراق من فئة المئة دولار، واكبر طموحاته هو الحصول على تلك المكافأة البسيطة التي تُمنح له في ناديه او في المنتخب عند اي نتيجة ايجابية.
نحن بحاجةٍ الى مدربٍ لا يتشاطر علينا، او يرسم احلاماً في الهواء فحواها انه قادر على صناعة المعجزات في فترةٍ قصيرة. نحن بحاجة الى مدرب يعرف معنى التواضع امام ما نملك من امكانات ضئيلة وامام لاعبين متواضعين في جوانب عدة، لكن نحن ايضاً بحاجة الى مدرب متعجرف عند مواجهته لتلك الضغوط التي حملت اسماء لم نسمع بها قط الى المنتخب الوطني في فترةٍ ما!
نحن بحاجةٍ الى مدرب لا يكبّد خزينة الاتحاد كل ما تحويه، او يهدر المال العام من دون تحقيق النتائج المرجوة بغض النظر عن حجم راتبه.
نحن بحاجة الى مدرب لا يدفعنا للوقوف على شفير الافلاس، فهو المحاسب ايضاً في اي تخطيط يقوم به مراعاة للظروف المالية الصعبة التي ما انفك اتحادنا يعيشها منذ زمنٍ بعيد.
اصلاً نحن بحاجة الى مدرب يعطينا اكثر مما نعطيه. مدرب يأتي الى هنا ليس بهدف «البيزنس» او اكتساب سُمرة في بلاد الفنادق والشواطئ والمنتجعات السياحية، ونحن الذين نقف على ابواب فصل صيفٍ واعد.
نحن بحاجة الى مدربٍ يعدنا بالاحساس بكلمات النشيد الوطني حتى لو لم يكن يعرف معناها. مدرب يتألم مثلنا مع كل خسارة مريرة، ويشعر بالفخر اكثر منا لدى تحقيق الانتصار. فهذا المنتخب، وبعكس ما يعتقد البعض، هو منتخب الكل، منتخب لبنان، منتخب الوطن وكل اللبنانيين القاطنين هنا والمغتربين. وهذا المنتخب ليس وقفاً على احد، بل لكل وطني حقٌ في ان يبدي رأيه فيه وفي ما يعيشه خوفاً عليه.
بصراحة وبعد كل ما وصلنا اليه مع الالماني ثيو بوكير ومن بعده جيانيني، اصبحنا بحاجةٍ الى مدرب نعرف سلفاً انه سيرفعنا ليضعنا بين الكبار، بعدما بات من الصعب علينا تقبّل أداء ادوار «الكومبارس».
بغض النظر عن الخيار او مدى اقتناعنا به ام لا، نرسم ابتداءً من اليوم، وقلبنا على المنتخب، خطاً ابيض خلف المدرب الجديد، فهو محسوب علينا في نهاية المطاف، وسيزيّن صدره من الناحية اليسرى بتلك الارزة الخضراء، التي لطالما كانت نقطة ضعفنا جميعاً.