تتحول الحرب السعودية على اليمن إلى حفلة دم، غاراتها صارت أكثر دقة في قتل الأبرياء من استهداف عناصر «أنصار الله» والجيش والمخازن العسكرية، في أسبوعين فقط تمكنت من قتل نحو ألف مدني جلهم من النساء والأطفال.

في المفهوم العسكري لم تحقق المقاتلات السعودية أي شيء على الأرض، ربما استطاعت تأخير تقدم «أنصار الله» في المحافظات الجنوبية نوعاً ما.
على عكس الرياض، تبدو «أنصار الله» أكثر وضوحاً في رؤيتها ومخططاتها، تعلم أن السيطرة على المواقع الحيوية في الجنوب هي الأساس في معركتها اليوم، ليست غايتهم الدخول في زواريب الجنوب ومتاهاته بقدر إحكام السيطرة على مفاصل مناطقية، يظهر ذلك من إمساكها بمطار وميناء عدن الاستراتيجيان.
تدير الحركة المعركة على أنها طويلة بالشهور وليست بالأسابيع، تواجه عدوين في حربها، التطرف المتمثل بـ«داعش» و«القاعدة» وفروعهما، والغارات السعودية وما قد يتبعها من عدوان بري مرتقب.

تأخر ردها، لماذا؟ يسأل اليمنيون في الداخل والخارج. هل هو عجز من قبل «أنصار الله» في مواجهة السعودية؟ يجيب مصدر قيادي في الحركة لـ«الأخبار» بالنفي القاطع، ويجدد التأكيد أنهم يعرفون متى يردون على السعودية. لا داعي للاستعجال... يضحك قليلاً قبل أن يكمل كلامه: «من الذي يعيش المأزق الآن، نحن أم الرياض؟ أليست القيادة السعودية في حيرة بعد انتهاء بنك أهدافهم؟ ألا تدل ضرباتهم العشوائية واستهدافهم لمخازن المواد الغذائية والناس في منازلهم على أنهم في حالة ارتباك؟ السعودية تعي جيداً أن أنصار الله ستكون لها ضربة نوعية، وأجهزتها الأمنية في أعلى حالات الاستنفار، وما يفقدها أعصابها هو حالة الهدوء من جانبنا، رغم كل استفزازاتهم على الحدود، ولا سيما في صعدة».

ترحب «أنصار الله» بمبادرة ووساطة سلطنة عمان للحل

التقدم في الجنوب لـ«أنصار الله» بحد ذاته شكل مفاجأة للسعودية. ففي مخططاتها أن يكون الجنوب ساحة لها، تكون عدن نقطة ارتكازها لمحاربة الشمال الساقط عسكرياً في يد الحركة، في أهدافها تحريك المشايخ المتشددين في الجنوب وتأليب أهله من الغالبية «الشافعيين» على الشمال الذي يسيطر عليه «الزيديون». عدن في حرب الرياض مكان للإنزال العسكري البحري والجوي وغيره لبدء معركة تحرير اليمن من «الانقلابيين الحوثيين» وإعادة السلطة إلى رئيسها «الشرعي» عبد ربه هادي منصور. لا يزال هذا الهدف ضمن خططتهم في حال موافقة مصر أو باكستان على المشاركة في الحرب.
«أنصار الله» تدرك ما يدور في رأس القيادة السعودية، تعي أن الرياض ستبقى تحرك العناصر المتشددة في جميع المناطق بغية إنهاك قواتها في جميع الجبهات. مصدر قيادي في «أنصار الله» يؤكد أن السعودية تواصل إرسال المقاتلين المتشددين عبر منفذ الوديعة الحدودي في حضرموت إلى اليمن. هؤلاء هم من سيطروا على المكلا شرق البلاد، وحالياً في حالة استعداد لمحاربة «أنصار الله». لماذا توقف حلف قبائل حضرموت عن مواجهتهم بعد أن كان قد أعد العدة للمعركة معهم؟ لماذا استدعي محافظ حضرموت إلى الرياض على عجل؟
يقول المصدر القيادي في «أنصار الله» لـ«الأخبار» إن متابعاتهم للميدان تشير إلى أن السعودية إذا قررت المضي في حربها البرية فإنها ستدخل اليمن من حضرموت، أي الخاصرة الرخوة في اليمن وليس من صعدة أو غيرها من المناطق. لذا تريد للمتطرفين والقبائل أن يكونا تحت إمرتها في حربها على «أنصار الله». لهذه الأسباب لم يدخل حلف قبائل حضرموت في معركة مع «القاعدة». وحقيقة للرياض علاقاتها القوية مع قبائل حضرموت، والكثير من تجارها وفعاليات يحملون الجنسية السعودية. معطيات لمصلحة الرياض في هذه المحافظة التي لطالما كانت لديها نزعة انفصالية عن اليمن. فأهلها يرون أنهم يستحقون «دولة حضرموت» لا محافظة. الرياض ربما لعبت على هذا الوتر مع فعالياتها.
السعودية في تحريكها للتطرف في اليمن كمن يمسك بالنار فوق الوقود، اللعبة التي تدخلها خطيرة جداً، ليس على اليمن وحده، بل عليها أيضاً. وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي كان واضحاً عندما قال: «على من يفضلون الحرب أن يكونوا مستعدين لتقبل خسائر فادحة بل كارثية». كلامه جاء خلال المحادثات النووية، ويبعث برسالة صريحة إلى الرياض بالبحث عن حلول سياسية قبل انتقال اللهيب إليها.
المصدر في «أنصار الله» كشف لـ«الأخبار» أن عمان هي الطرف الوحيد الذي اتصل بهم، يقول إنهم يرحبون بمبادرتهم ووساطتهم للحل، ويلفت في الوقت نفسه إلى أنه لم يتبلور حتى الآن شكل أو إطار لمبادرتهم.
سلطنة عمان تتحرك سريعاً لعلمها بالخطر المحدق في المنطقة، وكلام وزير خارجيتها إن لم يكن واضحاً، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما فسره لصحيفة «نيويورك تايمز» في حديثه عن حلفائه في دول الخليج عندما قال: «كيف يمكننا تعزيز الحياة السياسية في هذه البلاد حتى يشعر الشبان السنّة بأنّ لديهم شيئاً آخر يختارونه غير (تنظيم داعش)».
هل تعتبر السعودية لهذا الكلام؟ أم ستمضي في حربها المفتوحة على كل الاحتمالات والانعكاسات؟ العالم يتغير من حول السعودية، ووحدها تقف ضد تغيير الزمن.