غزّة | سَرَد قصة يتوجّس كثيرون من سردها. فكّكها وأعاد بناءها في مقالة تنطوي على جرح «التنسيق الأمني» الغائر في حياة الفلسطينيين. «عادل وعماد عوض الله... قصة نخاف سردها»، هذه المقالة التي تلمّست «وظيفة» السلطة في قتل المقاومين ومطاردتهم، كانت باكورة ملاحقات وتهديدات الأجهزة الأمنية للناشط السياسي والإعلامي الفلسطيني براء القاضي (23 سنة ــ الصورة)، لتكرّ بعدها سُبْحة العنتريات ضد من لا يدور في فلك السلطة السياسي.

كسر القاضي حاجز الخوف من سبر أغوار قصّة عادل وعماد عوض الله التي تعكس الكثير من القصص المشابهة، غير أنّه دفع من حرّيته فاتورةً لذلك. فقد اعتقلته أجهزة الأمن الوقائي في أيلول (سبتمبر) الماضي لعشرة أيام على خلفية المقال بتهمة «ذم السلطة العامة»، لتُفِرج عنه لاحقاً بكفالة تزيد على 7000 دولار أميركي. تلك السلطة العامة تبدو مأخوذةً بنفسها ومسكونة بالاستعراض، كأنّها تقف على خشبة المسرح وتتسيّد المشهد. غير أنّ الفارق هنا أنّ مسرح السلطة يمتدّ على مساحة كبيرة عنوانها الضفة الغربية، إذ تفعل فعلتها وتنظّف بعدها مسرح الجريمة من أي طرف خيط قد يقود إليها.

هذا ما حصل أخيراً مع براء القاضي الذي يدرس في كلية الإعلام في «جامعة بيرزيت» (قرب رام الله). قبل نحو أسبوع، أطلقت الأجهزة الأمنية «مافياتها التأديبية» بوجه القاضي، فيما كان وشقيقته «تسنيم» يهمّان بالخروج من أحد مطاعم رام الله. عندها، هاجمهما أربعة ملثّمين وانهالوا عليهما بالضرب، بعدما حاولت «تسنيم» مقاومتهم. لكن رام الله التي تضيق بناسها وتتّسع للأيدي النافذة شهدت بحضور المارّة خطف القاضي وجرّه إلى سيارة من دون لوحة أرقام، كأنّ المدينة مفصّلة على عضلات أولئك الملثّمين الذين وجهوا ضرباتهم القاسية إلى رِجْلي الشاب ورأسه، قبل أن يترجّلوا من السيارة ويلقوه في منطقة الطيرة (قرب رام الله).
هناك، انهالوا عليه بالضرب مجدّداً، فيما تناوب بعضهم على إطلاق الرصاص على رجليه، ليُطلقوا سراحه ويتوجّه القاضي إلى «مجمّع فلسطين الطبي» لمعالجة الرضوض التي لحقت بجسده. قبل أسبوعين من وقوع الحادثة، تلقّى براء القاضي تهديدات بالقتل عبر هاتفه وعبر الفايسبوك، على خلفية انتقاده للرئيس الفلسطيني محمود عباس على الموقع الأزرق. وفي تفاصيل تلك الحادثة، يقول القاضي لـ«الأخبار»: «حاول الملثّمون ترهيبي بعد ضربي، قائلين: «هل وصلت الرسالة؟ في المرّة المقبلة سنطلق النار عليك»، بعدما صادروا الهاتفين اللذين كانا بحوزتي». لكن هل من أدلّة دامغة على ضلوع الأجهزة الأمنية مباشرةً في هذا الاعتداء؟ يجيب القاضي: «فور وقوع الحادثة، مسحت أجهزة المباحث العامّة جميع تسجيلات المطعم الذي كنت فيه برفقة شقيقتي آنذاك، وحاولت مصادرة كاميرات المراقبة التي ترصد التحرّكات المحيطة بالمعطم، فضلاً عن أنّ الساعة التي اختُطفت فيها تشهد حضوراً كثيفاً لعناصر الأجهزة الأمنية، وقد رجّح كثيرون أن جهاز الاستخبارات هو المسؤول الرئيسي عن الاعتداء».
وباستعادة ذكريات السنة الأخيرة، نجد أنّ القاضي تلقّى نحو 10 استدعاءات من مختلف الأجهزة الأمنية، ودخل سجون السلطة مرّتين، إحداهما على خلفية مقال يعرّي مسلكيّات السلطة المتماهية مع الاحتلال، وهي قضية ما زالت تتفاعل في المحكمة، ويُفترض أن يخضع القاضي قريباً لرابع جلسة محاكمة سبق أن تخلّف المستشار القانوني للأمن الوقائي عن حضورها. أمّا القضية الثانية، فأُثيرت حول «شتم موظّف عام» بالإشارة إلى رئيس جهاز الاسستخبارات الفلسطينية ماجد فرج، رغم أنّ ما كتبه براء لا يتضمّن تشهيراً.
على الأثر، كان القاضي في «ضيافة» جهاز الاستخبارات لأربعة أيام في شهر شباط (فبراير) الماضي. وعن هذه الفترة، يقول القاضي إنّه «من الواحدة ليلاً حتى التاسعة صباحاً، كان الجهاز يحقّق معي في أدقّ تفاصيل حياتي ونشاطاتي بناءً على تقارير يستوفيها مخبرو الجهاز و«مندوبوهم» وفقاً للتسمية الفلسطينية المعهودة».
بذلك، غاص المحقّقون في نشاطات القاضي السياسية والإعلامية، خصوصاً أنّه كان يرأس نادي الإعلام في «جامعة بيرزيت»، كذلك سألوه عن بعض أقربائه المعتقلين والمبعدين إلى قطاع غزّة، على إثر صفقة «شاليط» عام 2011. ولم يفُتهم التحقيق في مسألة الانتماء السياسي إلى الأحزاب المعارضة لتيّار السلطة.
ورغم أنّ التهديدات بإطلاق النار على رجلي براء القاضي في الحرم الجامعي لا تزال تتدفّق على هاتفه وعبر الفايسبوك، غير أنّ شعوراً باللامبالاة يتملّكه. وهو شعور ينبع من «مقاومة الاهتزاز الداخلي الذي تحاول الأجهزة الأمنية غرسه في نفوس مناهضيها». «عنجد مش كتير فارقة معي»، وحدها هذه الجملة التي تفوّه بها القاضي يمكن أن تدلّل على حجم رفضه للحفاظ على خط رجعة مع «مافيات» الأجهزة الأمنية.