تملك العائلتان الوهّابيتان، آل سعود وآل ثاني، مئات الفضائيات والإذاعات والصحف والمواقع الإخبارية، وتسيطران على المئات مثلها بالرشى، وعلى مئات أخرى تضبطها الأنظمة والتيارات الحليفة. بالمقابل، لا يوجد سوى بضع فضائيات وإذاعات وصحف مضادة، وبعضها ملتزمٌ بما يشبه الحياد أو نصف الحياد؛ فكيف ليوميةٍ عربيةٍ واحدة، لا غير، تفتح صفحاتها لتسمية الأشياء بأسمائها، أن تقضَّ مضاجعكم؟ وكيف لبضعة صحافيين وكتّاب أفلتوا من إسار التحسّب لرضاكم أو الخوف منكم أو ترجّي أموالكم، أن يصدّعوا الهيكل الإعلامي الذي أشدْتموه، ويصلي في محاريبه 99 في المئة من حملة الأقلام و»الأفكار» والمباخر؟


تفتح الحرب التي أعلنها آل سعود على «الأخبار»، من جديد، باب النقاش الجدي حول دور الصحافة الملتزمة بالمبادئ والمتحررة من شهوة المال، ومن الخوف، في الصراعات الاجتماعية ــــ السياسية؛ فحين تهجس مملكة الظلام العربي ــــ التي تحكم مملكة الإعلام العربي ــــ بصحيفةٍ متمردة واحدة، فإنما تكشف عن أثر الكلمة الحرة في المعركة المحتدمة، اليوم، في العالم العربي، بين معسكرين، معسكر الحياة والتعددية الدينية والثقافية والاستقلال والأمان والتقدم والمقاومة، ومعسكر الموت والظلام والحقد والطائفية، تحت راية داعش السوداء... وشقيقتها الخضراء!
لم تغضبني الحرب السعودية على «الأخبار»، بل حفّزتني؛ ذلك أن الكلمات التي نقدّها، هنا، دفاعاً عن الشعوب العربية، وتفضح الإرهابيين، الأمراء والوزراء والسفراء، وتعرّي بشاعة وجوههم المختبئة وراء أقنعة البغدادي والجولاني، ليست كالكلمات، وإنما كالرصاص. ولقد كنتُ أنشد، مع الشاعر الفلسطيني غسان زقطان، «وطني، أعطني خندقا كي أقاتل»، وكنت أرى أن لظى حبّي للشام لن تطفئه سوى بندقية أردّ بها الأذى عن عشتار؛ غير أنني، الآن، بعدما تعالت صيحات الحرب على «الأخبار»، أكاد ألمس النار في كلماتي على صفحاتها المشرقات.
لم تغضبني الحرب السعودية على «الأخبار»؛ فالأجدر بالغضب، حربها على الشعب اليمني الطيب المسالم الذي تدمّر طائرات البغي، بلده ومقدراته وتقتل عائلاته، عدواناً وبهتاناً وصَلَفاً، ويهلّل لها الإعلام العربي، ويعتبرها «المفكرون،» صحوةً للقومية العربية، وخطوة للحفاظ على الأمن القومي العربي (والإسرائيلي) في مواجهة المدّ الإيراني والشيعي، ويطالب ميشيل كيلو وأضرابه، بمثلها، في سوريا! وكأن الحرب على هذا البلد الجريح، وجاره العراقي المدمّى، ليست عاصفة إرهاب، أطلقتها السعودية وشريكاتها، منذ 2011، على كل ما هو جميل وأصيل في بلادنا.
تريدون أن تضعوا حداً لـ «الأخبار»؟ حسنا، لقد جاء الوقت، لكي نضع، نحن، حدّاً لعاصفة الأكاذيب والأحقاد والانتهازية الرخيصة والرشى وشراء الذمم وغياب الضمير واختلاط المعايير، العاصفة السوداء التي هبت من خماسين «الربيع العربي»، وما تزال تتصاعد؛
أولا، الحياد خيانة. في معسكرنا، الكثير، لكي ننقده ونعارضه ونتصدّى له، بشجاعة الأحرار ــــ الشجاعة التي لا تتأتى لعبيد المال في مملكة الإعلام الظلامية ــــ إنما معسكرنا، في النهاية، لا يرفع أعلام النصرة وداعش، ولا أعلام إسرائيل، بل يقاتلهما حتى النّفَس الأخير. ونحن أقدر، من موقع مقاومة التكفير والإرهاب، أن نرى أخطاء ومشكلات النظام السوري وحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين والمعارضة البحرينية، لكن، من دون أن نغفل انحيازنا إليها؛ فهذه القوى، بعجرها وبجرها، هي التي تتصدى للتنظيمات الإرهابية في الميدان، وهي التي تواظب على موقف عربي قوميٍ فعلا من إسرائيل.
ثانيا، السعودية هي راعية الانحطاط العربي. لقد صدرت مئات الكتب المرموقة التي تحلل أسباب التخلّف العربي، وفيها العديد من المناقشات الجادة، غير أنه آن الأوان للتركيز على السبب الرئيسي وراء «خروج العرب من التاريخ»، وهو الآتي: ما بدأت النهضة العربية تتبلور، حتى كانت المصادفة التاريخية العمياء التي منحت أكثر المجتمعات العربية، تخلفاً، ثروات هائلة من النفط والغاز، ما سمح لأقلية من العائلات، كان التاريخ ليكنسها، بالتحكم في بلدانها، وتجميد تطورها الثقافي والاجتماعي والسياسي، قبل الانتقال إلى تدمير فرص النهضة في البلدان العربية الأكثر تقدما، سواء من خلال نشر الوهابية وشراء الحكام والأحزاب والحركات وقوى الانتاج والأدي العاملة والعقول والضمائر و»الثورات»، أم من خلال الحروب الإسرائيلية والأميركية التي رعتها (ضد مصر عام 1967، والعراق عام 1991 و2003، ولبنان عام 2006) أو الحروب الإرهابية التي شنتها على العراق (منذ 2006) وسوريا (منذ 2011)، أو القمع البوليسي لحركة ديموقراطية سلمية (كما يحدث في البحرين منذ 2011) أو الحرب الهمجية ضد اليمن (2015).
ثالثاً، السعودية مملكة داعشية، وداعش منتج سعودي. إن النموذج الذي قامت عليه المملكة السعودية، والمتمثّل باقتران التفسير التكفيريّ الصحراويّ البدويّ للإسلام، والعنف الاجرامي، قرانا يشكّل عاصفة إرهابية هوجاء، هو النموذج الذي تأسست عليه مملكة الظلام. وقد بقي هذا النموذج فاعلاً؛ فبدونه، يسقط السستم كله، وتكثّف وانتشر بقوة البترودولار والحماية الاستعمارية، وولّد، على صورته ومثاله، «القاعدة»، ومن بعدها «النصرة» و»داعش». النموذج نفسه: وهّابية متزمتة وتكفيرية، وعدوانية، وعنف بلا حدود ولا ضوابط، يتمركز على اطلاق الغرائز المكبوتة، غرائز القتل والسطو والجنس المباح.
رابعا، الوهّابية ــــ والإخوانية ــــ، الدينية أو السياسية، تنتهي إرهابية وإسرائيلية. وكأنه قانون تاريخي. وهو كذلك بالفعل؛ لقد رأينا كيف تحولت قوة «الجيش الحر» إلى «النصرة»، وها نحن نرى كيف تتحول «النصرة» إلى «داعش»، ويتحولون، جميعا، إلى حلفاء لإسرائيل، بينما لا تزال الوهّابية السياسية، وصحفيوها و»مفكروها» و»مثقفوها» ــــ من كل الأصول «القومية» و»الماركسية» و»الليبرالية»ــــ يفقّشون الكلام عن «الثورة السورية» و»انتصاراتها» في إدلب ونصيب! أصبح التهليل للإرهاب التكفيري، بالمفخخات أو بالطائرات، وذبح البشر وتدمير الحضارة، مهنة للنخبة العربية المشتراة والمعروضة في سوق النخاسة. أما نحن، فلسنا في السوق. نحن في خندق المقاومة، حبا الله رفاقنا، سلاحا في أيديهم، وترك لنا الكلمات، لنقاتل. وسنقاتل!