غزة | هذه الأيام، يبدو اليمنيون عند الإعلام الفلسطيني كأنّ لا بواكيَ لهم. على قلب رجل واحد، انتشى الإعلام الفلسطيني بذبح اليمن على مقصلة السعودية. هذا الإعلام الذي لم يسبق له أن توحّد تحت مظلّة المقاومة الفلسطينية، استلّ هذه المرّة سيف محاربة الحوثيين الذين اختزل فيهم العدوان السعودي على اليمن. سقط الإعلام الفلسطيني بجدارة في الامتحان الأخلاقي والإنساني الذي فرضه اليمن، بعدما بدا مدفوعاً بالنزعات الطائفية والمصالح السياسية التي أرستها حديثاً إرهاصات كسر القطيعة بين السعودية و»الإخوان المسلمين».


كما بدا الإعلام الفلسطيني بتوجهاته السياسية الفتحاوية والحمساوية نسخاً كربونية عن قناتي «الجزيرة» و»العربية» اللتين تعتبران رأس الحربة في الهجوم على اليمن.
أغمضت وكالة «صفا» المحسوبة على «حماس» عينيها على المجازر والفظاعات الإنسانية التي اقترفتها السعودية في مخيمٍ للنازحين في اليمن. لم تلتقط وسط شلالات الدم الطافحة سوى «الظلم» الذي يتعرّض له إخوان اليمن من قبل الحوثيين، معنونةً أحد أخبارها بـ»الحوثيون يواصلون انتهاكاتهم ضد حزب الإصلاح»، مع إغراق القارئ بأرقام «انتهاكات الحوثيين».


لا شهداءَ يمنيين يسقطون
في غارات التحالف
اعتبرت كلّ من وكالة «صفا» و»المركز الفلسطيني للإعلام» و»فضائية الأقصى» قناة «الجزيرة» ووكالة «الأناضول» التركية الأبوين الروحيين لها في كيفية التعاطي مع الملف اليمني. بذلك، صار «الحوثيون» مجرّد «ميليشيات»، فيما السعودية وشقيقاتها صرن البطلات المخلّصات من «الجحيم الحوثي الشيعي». كما أسبغت «صفا» المديح على القوى الموالية للرئيس اليمني الهارب عبد ربه منصور هادي، بمنحها صفة «المقاومة الشعبية».
وبحسب «المركز الفلسطيني للإعلام» التابع لـ»حماس»، فلا شهداءَ يمنيين يسقطون في غارات التحالف السافر على اليمن، إذ لا «تخيب» أهداف السعودية في ضرب معاقل الحوثيين فقط، دونما أن تمس شعرة أيّ مدني يمني أعزل. «عاصفة الحزم تكثف قصف مواقع الحوثيين»، و»غارات ليلية لقطع إمدادات الحوثيين»، و»إخوان اليمن يؤيدون العاصفة»، و»دعم من عاصفة الحزم للمقاومة وتجدّد الاشتباكات بعدن»... هكذا، احتفلت تلك الوكالة بـ»ماراثون» السعودية في سحق أرواح الحوثيين، من دون أن تمرّ ولو مرور الكرام على الأوضاع الإنسانية المأسوية في مستشفيات وشوارع صنعاء. اللافت هنا أن القتل والاعتداء على دولة عربية صارا معادلين لـ»المقاومة» المقرونة بمكافحة الاستبداد عند هذه الوكالة وأخواتها.
أما فضائية «الأقصى» التابعة لـ»حماس» أيضاً، فقد اكتشفت إمكانية سقوط مدنيين يمنيين في حال كان الفاعل حوثياً فقط. عنونت أحد أخبارها بـ»قتلى وجرحى جراء قصف الحوثيين أحياء سكنية في الضالع جنوب اليمن». كما تنفّست الصعداء بـ»تكبيد لجان المقاومة الشعبية التابعة لهادي مسلحي جماعة الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح». ومن المعجزات التي حملها العدوان على اليمن أن وكالة «وفا» الرسمية وفضائية «فلسطين» التابعة للسلطة الفلسطينية توحّدتا في خندق المنابر الإعلامية الحمساوية، وخصوصاً أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تمنّى تكرار تجربة «عاصفة الحزم» فلسطينياً لإنهاء الانقسام! بذلك، كانت «وفا» وفضائية «فلسطين» بوقين مرحّبين بالعدوان، واصفتين الحوثيين بـ»الانقلابيين». الغريب في كل هذا الانحياز الفاضح للعدوان السعودي على اليمن أن «حماس» وإعلامها استنكرا دعوة عباس الدول العربية إلى إسقاط تجربة «عاصفة الحزم» على الواقع الفلسطيني، في حين «هلّلا» للمجزرة في اليمن بحجّة «دعم الشرعية السياسية»، ليتجلّى بذلك الانفصام الإعلامي في أبهى حلله!