القاهرة | في ميدان المساحة بمحافظة الجيزة المصرية (مقر السفارة اليمنية) لا مساحة أمل تلوّح بأي بشارة لآلاف اليمنيين. مرضى، وطلبة، ومواطنون عاديون، يتوافدون، كل يوم، على الميدان، الذي لا يُنبئهم بأي شيء.

السفارة اليمنية، لا تفعل شيئاً للمترقبين، تكتفي بالمناشدات للسلطات المصرية وللسعودية، لتسهيل عودة اليمنيين، إلى بلدهم: اترك رقم هاتفك، وصورة من جواز سفرك، والمطار الذي تريد الوصول إليه، و»بعدين نشوف».

أكثر من أربعة آلاف مريض يمني، وفقاً لمسؤول في السفارة اليمنية، نفدت أموالهم، وتوقفت عنهم التحويلات المالية، بسبب الحرب الدائرة في اليمن. لا يجدون حق الدواء، أو متابعة المستشفيات، وبعضهم حالته خطيرة. القادرون على الحركة منهم، ذهبوا مرّة أو مرتين، إلى مقر السفارة اليمنية، وتوقفوا لعدم وجود رد. أما غير القادرين على الوقوف على الرصيف المقابل للسفارة، فينتظرون الفرج، حتى يعاودوا استكمال العلاج، أو يعودوا إلى بلدهم، حتى لا يلقوا مصير الموت في بلاد الغربة.
أحمد ناجي، طالب يمني، يدرس في جامعة أسيوط، قال لـ»الأخبار»: «نفدت الأموال. ونحن طلاب كثيرون ندرس في أسيوط، لا نملك المال لشراء المذكرات الجامعية، أو دفع إيجار الشقة التي نسكن فيها. السفارة حقنا، لا تفعل شيئاً، وفي أول ابريل (نيسان)، سنكون بلا سكن، ولا نجد من نستدين منه. نحصل على 1800 دولار من السفارة كل ثلاثة أشهر، لا نستطيع أن ننتظر 3 أشهر أخرى، في هذا الوضع».
طالب آخر، كان يرفع لافتة، مكتوب عليها «نفدت أموالنا يا زعامات الحرب»، قال لـ»الأخبار»: «نريد حلاً لأزمتنا نحن الطلبة، عوائلنا قلقة علينا، ونحن لم نتعوّد وضعا مثل هذا. إذا كانت السعودية هي التي خلقت الأزمة في بلادنا، فعليها أن تتحمّل المسؤولية، ومصر يجب أن تتحمل المسؤولية، لأننا الآن على أرضها. كيف نتابع دراستنا في الجامعة. الحياة صعبة وغالية جدا في القاهرة».


ناشط حقوقي يمني: أول مرّة في حياتي أشعر بأنني بلا وطن

في الساعات الماضية، دُفنت سيدة يمنية في مصر، لتعذّر وجود رحلات طيران مباشرة إلى المطارات اليمنية، بسبب صعوبة الوضع، واضطر ذووها إلى دفنها، من دون عزاء يليق بها، عملاً بمنطق «إكرام الميت دفنه». «أ. السعيدي»، يحكي لنا كيف أن هذا الوضع مُربك، وقاس. يشرح لنا أن هناك مرضى كثيرين، يمكن أن يواجهو االمصير نفسه، لو طال أمد الحرب الدائرة على اليمن.
بليغ المخلافي، الناشط الحقوقي، الذي جاء إلى القاهرة في زيارة سريعة، قبل بدء ما يسمى »عاصفة الحزم»، ولم يستطع العودة، يشعر بالقلق من الوضع في اليمن، ويقول: «أول مرّة في حياتي أشعر بأنني بلا وطن. كان هذا ليلة أمس، عندما كنت مع اليمنيين، نكتب مناشدة للخارجية المصرية، كي تتدخل. المشكلة ليست في سفر اليمنيين بالقرب من الحدود اليمنية، مثلا، لكن السؤال: من يؤمن هؤلاء على البّر؟ لا أحد يستطيع ذلك، ودخولهم إلى اليمن الآن فيه خطورة شديدة على حياتهم».
المخلافي، الذي يرفض التسميات الطائفية لليمنيين، ويستبعد أن تدخل اليمن في سيناريو العراق أو سوريا، يبرر وجهة نظره: «أي دخول بري في اليمن، أمر حسّاس، ومرفوض بالنسبة لليمنيين، فما يجري في اليمن هو صراع سياسي، وليس صراعا مذهبيا، كما يصوّر البعض، والحوار هو الحل للأزمة اليمنية، وإطالة أمد الغارات على اليمن، يطيل أمد الحرب، ويُدخل اليمن في فوضى طويلة».
بعض اليمنيين، الذين التقتهم «الأخبار» على مقهى في حي المنيل بالقاهرة، يتجمعون كل مساء، لتدارس الأزمة، وكل من لديه بقية من دولارات، يتبرع بها لمن لا يجد أموالا لدفع إيجار السكن، لكن هذا الأمر لا يمكن أن يستمر طويلا، بحسب رأيهم، «فالسفارة اليمنية، يجب أن تتدخل، وبعد ما تصل التحويلات، تخصِم منها ما تقدمه لليمنيين من مساعدات. هل من المعقول أن نمد يدنا للناس؟. الموت أكرم».
السفارة اليمنية بالقاهرة، تنسق مع الأمم المتحدة والسلطات المصرية، في طريقها إلى التوصل إلى حل لأزمة العالقين. «الحل» يتمثل في أن تقوم السفن الحربية المصرية، التي تجلي المصريين من اليمن، بنقل اليمنيين على متنها، وتُنزلهم على البر اليمني، وهم يتصرفون.
«أين أروح؟ مين يصرف علينا؟ عقود السكن حقنا انتهت. افتحوا لنا الأجواء. اسمحوا لنا بالعودة إلى وطننا. شيء غريب والله، سفارتنا حقنا تطلب منّا تأشيرة دخول إلى بلدنا. تقول كلاما دبلوماسيا. نعيش، ونأكل كلاما دبلوماسياً؟».
إبراهيم الجهمي، ملحق شؤون المغتربين في مصر، قال لـ»الأخبار»: نقترب من إيجاد حل لأزمة الراغبين في العودة إلى اليمن. في الغالب سيسافرون إلى مطارات في سلطنة عُمان، والسعودية، ومنها يدخلون إلى اليمن. نبحث في بدائل أخرى، أقل مخاطرة، مع مصر، لكننا لم نتوصل إلى حل نهائي بعد. ومشاكل الطلبة والمرضى، سنحاول حلها خلال أيام، لكن الوضع صعب».