عشرة آلاف دولار كانت حصيلة ما جمعه المزارع الشاب محمد عليان خلال ثلاث سنوات من العمل في زراعة التبغ، بهدف الإسراع في بناء منزل صغير ليسكن فيه مع زوجته المنتظرة. لم يأت برخصة بناء وفق المواصفات القانونية، بل اكتفى بخريطة هندسية منسوخة عن جاره، للحصول على رخصة بناء بلدية مؤقتة، لكنه لم يلتزم مضمون الرخصة، لأن «هذا يحتاج الى اشراف مهندس معماري ما سيكلفني مبالغ مالية اضافية». هكذا ارتضى عليان، كغيره من عشرات الشبان الفقراء، بخبرة «معلّم البناء» الذي بدأ العمل فوراً وأنجز بناء البئر، التي لا بد منها، اضافة الى أرضية المنزل الأساسية التي كانت كافية ليتقدّم بطلب الزواج من فتاة أحلامه.

ما فعله عليان، يفعله اليوم معظم شباب المنطقة، لكن المشكلة تكمن في الأموال الباقية اللّازمة لإنجاز بناء المنزل، ولا سيما أن «المصاريف زادت بعد الخطوبة، ويجب بذل جهد اضافي من العمل لتوفير المال». كل ما استطاع عليان القيام به، خلال عامين جديدين، هو بناء غرفتين صغيرتين مع مرحاض، سكن فيهما مع زوجته على أن يستكمل بناء البيت لاحقاً. ولاحقاً هذه، قد تمتدّ إلى عشر سنوات إضافية لينجز البناء كاملاً من خمس غرف كما يخطط، لأن «الادخار بات صعباً بعد الزواج وإنجاب الأولاد».


زيارة منزل معين تدلّك إلى ثقافة صاحبه وخصوصيته

الإضافات التي يجريها على البناء كلّ فترة تسبّبت بمشاكل، النتيجة أن «التشييد على مراحل جعل بنية البيت غير متماسكة، ما أدى إلى تسرّب المياه الى داخله، إضافة إلى أن ضيق الحال جعلنا نشتري مواد بناء لا تتمتع بالجودة اللاّزمة». يرى المهندس المعماري محمد فواز أن هذه النتيجة طبيعية «لا يمكن بناء منزل بمواصفات جيدة إذا لم يؤمن صاحبه مبلغاً مالياً كافياً لبناء كلّ الهيكل، لأن الباطون المسلّح لا يُبنى بالتقسيط وإلا تعرّض للنشّ والتفسّخ، ما يجعله في حاجة دائمة إلى الترميم، إضافة الى أن عدم الاستعانة بالمهندسين قد يجعل عملية البناء عرضة لاجتهادات البنائين غير المدروسة النتائج».
وينتقد مروان حيدر كل الفقراء الذين يلجأون إلى بناء المنازل الكبيرة، على مراحل. حيدر بنى بيته المؤلف من ثلاث غرف ومطبخ ومرحاض، بكلفة لا تزيد على 13 ألف دولار، «المهم هو وجود الأرض، لأن عمال البناء موجودون بكثرة، ويمكنهم بناء الغرف من الحجر الصخري الأكثر صلابة ومتانة وجمالاً، من دون الحاجة إلى حفر الأساسات واستخدام الحديد، سوى في سقف المنزل». كلفة البناء من الصخور الموجودة في التربة تبدو أقل من كلفة البناء الاسمنتي. وهذا ما يؤكده العامل السوري عزيز مونّس، حين يوضح أن «جدران منزل من أربع غرف تكلف صاحبها نحو 10 آلاف دولار أميركي، ولا تحتاج إلى الحديد، أما السقف، فلن يكلف أكثر من ثلاثة آلاف دولار. وهذه الجدران متينة جداً، بدليل أن معظم الأبنية الحجرية القديمة لا تزال موجودة منذ مئات السنين». ويرى مونّس أن «أهمية البناء الحجري تبرز على المدى البعيد لناحية متانته وعدم تأثره بالعوامل الطبيعية، فلا يحتاج لاحقاً إلى اعادة ترميم أو تعديل، فهو من الحجر في الداخل والخارج فلا يحتاج إلى الدهن ولا يتأثر بالبرودة أو بالحرارة، إضافة إلى تصميمه الذي يأخذ الطابع العاملي الشرقي البحت، ولا يضرّ بالبيئة لأن معظمه من حجارة الأرض».
ومن الملاحظ أن العديد من أبناء بنت جبيل ومرجعيون، بدأوا فعلاً ببناء منازلهم من حجارة الأرض. فالعودة إلى العمران القديم المبني من حجارة الأرض وطينها بعيداً عن الباطون والحديد أصبح حلماً عند البعض بعدما كان نمطاً معتاداً وجميلاً. يقول محمود ترمس من بلدة طلوسة الجنوبية «فكرة بناء منزل على الطراز القديم هدفها إشباع رغبتي وحنيني إلى منزل جدي، الذي ترعرعت فيه، فالضيعة عندي تعني كل شيء قديم وجميل، وليس تلك الأبنية الحديثة التي سلخت عن الضيعة طابعها الريفي».
ترمس الذي أنجر بناء منزله الحجري في بلدته، يؤكد أن «الكلفة أقلّ بكثير من البناء الاسمنتي إذا جرى الاستعانة بالعمال فقط، بعيداً عن المقاولين، بشرط أن يشرف صاحب المنزل يومياً على البناء، لمراقبة أداء العمال، وهذا يحتاج الى هواية وخبرة». ويشير الى أن «منزله بات أشبه بمزار لكل من عبر بجانبه، بعدما علّقت بداخله كل ما خطر على بالي من الأدوات التي كانت تستعمل سابقاً لكي يصبح البناء متكاملاً مع أدواته القديمة».

كلفة البناء من الصخور تبدو أقل
من كلفة البناء الاسمنتي
ويذكر ترمس أنه جمع هذه الأدوات القديمة «من آلات زراعية وأسلحة وأواني منذ نحو 12 سنة، كنت كلّما وجدت شيئاً منها قد استغنى عنه أصحابه أحتفظ به».
ويقول الدكتور عبدالله سليمان (حولا) إن «الحنين الى الماضي مرتبط بحضارتنا وبتراثنا الخاص، ويجب أن تكون منازلنا تحمل اسمنا وتراثنا وخصوصيتنا»، معتقداً أن «لكل منزل رمزيته الخاصة، ومن يرِد زيارة منزل معين، فيجب أن يتحسّس نمط صاحبه وخصوصيته». وأهم ما في الأمر عند سليمان هو عدم تقليد الآخرين في البناء، ففي ذلك نوع من «الأنانية الذاتية». ويشير إلى أن «البنّاء الذي شيّد منزله هو من مدينة حلب السورية، إذ إن بناء الأقواس والعقود يحتاج إلى دقة وحرفة غير عادية، وهذا ما نفتقده اليوم في الجنوب اللبناني». ويلفت الى أن «هذا النمط العمراني يتلاءم مع مناخنا وبيئتنا، فالأمطار والثلوج لا تؤذي سقف المنزل المنحنية والحيطان الصخرية تعزل الحرارة الخارجية الباردة والحارّة». سليمان سيعتمد في بناء منزله على الخشب الطبيعي لبناء الأبواب والشبابيك الحديدي، ولن يضع باباً لمدخل الضيوف، إذ إنه «من العادات القديمة الّا يغلق الباب في وجه الضيوف بعد دخولهم لاعطاء نوع من الشفافية داخل المنزل أمام الضيف».