الطاولة التي يجلس إليها رهيف فياض في مكتبه لها وظيفة واحدة: العمل. اختارها صاحبها ليستخدمها وفق حاجته هو، لا وفق ما تمليه «موضة» الطاولات، من فخامة أو جمال أو حداثة، إلخ. ووفق المنطق نفسه «فُرشت» جدران المكتب، التي يشدد فياض على ضرورة «فرشها» تماماً كما تفرش الأرضية. من هاتين الملاحظتين يمكن أن نخرج برؤية فياض لكيفية اختيار بيت «عندما نفكر بالبيت، علينا أن نفكر أنه يجب أن يكون أقرب ما يمكن إلى طريقة العيش الطبيعية. يجب أن أملي على البيت طريقة حياتي، لا أن يملي عليّ هو طريقة حياة منقولة لي».


يقدّم لنا نفسه مثالاً من خلال إخبارنا عما فعله هو في بيته، المبني وفق «الطراز الدولي السائد». يقول فياض: «في البيت أربع غرف نوم. ماذا أفعل بها؟ تركت غرفتين للنوم، وحوّلت الغرفة الثالثة إلى مكتب، وكسرت الغرفة الرابعة وضممتها إلى غرفة المعيشة. أي أني أعدت الليوان القديم بشكل أو بآخر. أنا أجلس في الليوان، في قلب الدنيا، وأمضي وقتي هنا».
شرفة شقته هي الوحيدة في البناية التي لم تقفل بالزجاج. «أستطيع أن أستضيف على شرفتي 12 شخصاً. وقد حرصت على الاعتناء بحوض الزهور فيها». ما فعله فياض أنه أعاد البيت «أقرب ما يمكن إلى بعض ذكريات الطفولة في بيت القرية المتصل مباشرة بمساحة مزروعة، وتركت لنفسي صلة وصل مع الخارج من خلال الشرفة والنوافذ». هكذا يمكنه أن لا يرتاد الكنيسة في حال رغب في الصلاة «أقدّس عن البلكون، وأراقب نموّ أشجار السرو والشربين».
بناء عليه، بإمكان فياض أن ينصح من يرغب في «الانتفاضة على نمط الحياة الغربي بأن يربط الفرد فينا نفسه قدر الإمكان في الخارج. البيت الذي فرض علينا أعطى بعض الميزات مثل الخصوصية التي أصبحت مستحبة. (أنام في حال كان هناك في البيت من يستقبل آخرين. هذه حاجة ولا يمكن نفي أنها قضية إيجابية). لكن أن أسكن في علبة، فهذا ليس أمراً إيجابياً. أن أسكن في علبة شفافة، فهذا أيضاً غير إيجابي. يمكنني أن أحتفظ ببعض إيجابيات الطراز الدولي، لكن أتخلص من قمع المكعب الشفاف الذي يجعلني كالعصفور داخل قفص. أجعله أكثر ما يمكن انفتاحاً بأقسامه بعضها على البعض الآخر تسهيلاً لاستعمالها، وليس لغاية أخرى غير الاستعمال. الهدف من البيت أن يؤويني ويريحني، بكل ما أريده من عزلة أو من تلاق. الباب هو عتبة. هو فصل ووصل. أستعمله للوصل عندما أريد، وللفصل عندما أريد أيضاً. والشرفة أيضاً». يشدّد فياض على أهمية الشرفة «أخذاً بعين الاعتبار أن عندنا طريقة حياة لا يستطيع الغرب أن يغيّرها جذرياً. مثلاً، عندما أجلس في بيتي، غالباً ما يكون في ضيافتي خمسة إلى ستة أشخاص. الإنسان الغربي يحتاج إلى أسابيع من الترتيب قبل أن يجمع هذا العدد في بيته، فيما يكفي اللبناني أن يقول كلمة «حوّل» لينظّم جلسة في بيته».
المطبخ لا يقلّ اهمية «فنحن شعب يطبخ يومياً. وهذا يعني الحاجة إلى مكان خارج المطبخ يشكل استمراراً له هو الشرفة لكي نتجنّب الرائحة داخل البيت».

وماذا عن بيت القرية؟

لا يختلف الأمر كثيراً، إلا أن بيت القرية «يجب أن يكون مرحِّباً بالناس أكثر مما هو عليه في المدينة. يجب أن نلحظ خلال التأليف أن البيت يجب أن يكون مضيافاً بإطلالته لأنه هكذا يجب أن تكون العلاقة بين الناس في القرية». كما يجب الاستفادة من مناخ القرية من خلال معرفة توجيه البيت «لكي نحافظ على دخول الهواء بشكل لا يحوجنا إلى استعمال المكيّفات مثلاً. يمكن أن نلحظ أن المطبخ يفترض أن يكون مطلاً على الشرق، إذ تأتي الشمس باكراً فيكون صالحاً للزراعات الخفيفة (البقدونس، النعناع، وصالح للجلسة ما بعد الظهر) على المطبخ أن يكون له استمرار مباشر إلى الخارج جلسة وحديقة».

البيت اللبناني

لكن، إلى أي حدّ اللبناني حرّ في تصميم الشكل الذي يريده؟ «نحن أسرى كلياً» يقول فياض، مستغرباً قدرة اللبناني وسرعته في معرفة «ما هو الدارج؟».
هذا الحديث يقودنا إلى السؤال عن «هوية البيت اللبناني»، فيختار فياض، الذي يرفض تسمية «العمارة اللبنانية» ويفضّل عليها «العمارة في لبنان» أن يعود بنا إلى البدايات. يقول: «البيت اللبناني، سواء كان ساحلياً أو جبلياً، كان في بداياته بيتاً مقفلاً، له امتداد خارجي، مثل حوش وفيه بعض الخدمات الملحقة به. هذا البيت كان في الجبل حجرياً، وفي البقاع طينياً، وفي مناطق عكار مثلاً كان من الحجر البازلتي الأسود. وكانت المفروشات جزءاً من المبنى. المفروشات المتحركة حديثة، تعود إلى بداية القرن التاسع عشر». ويلفت فياض إلى وجود صورة التقطها المصوّر أدريان بونفيس في عام 1860 لمدينة زحلة، وتبدو بيوتها طينية بالكامل، لا بيت حجرياً واحداً فيها.
هذا البيت تطور وفق الحاجات وخرج من كونه بيتاً مقفلاً إلى نموذجين:
النموذج الأول هو بيت الليوان وهو نموذج عربي. وهو عبارة عن فتحة خارجية بين الغرف تسمى الليوان.
النموذج الثاني هو بيت الرواق، تزيّنه أعمدة وأقواس وخلفها يوجد غرف. وهذا النموذج أرقى لأنه تميّز بنوع من الواجهة الذي لم يكن موجوداً.
في مرحلة لاحقة، أنتج الليوان والرواق ما نسميه البيت اللبناني، «لكنه ليس لبنانياً أبداً. الاسم الصحيح هو البيت البورجوازي ذو الأقواس الثلاثة». ذلك أن هذا البيت الذي رأيناه في بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر «هو نتيجة ثراء البورجوازية التجارية اللبنانية الذي رافق توسيع مرفأ بيروت. العلاقات التي نشأت مع الغرب في بيروت سمحت بإيجاد القدرة الإنشائية عبر الخشب لبناء سقف لليوان، ما لم يكن متوافراً سابقاً. أما العمارة القرميدية فقد نقلت من الأناضول، وأتوا بالقرميد، الذي كان ضرورة إنشائية، من مرسيليا. هكذا نشأ البيت القرميدي لطبقات مختلفة.


يمكن الاحتفاظ ببعض إيجابيات الطراز الدولي والتخلص من قمع المكعب الشفاف

وقد نشأ هذا البيت في بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وانتشر في كلّ المنطقة، على امتداد الشاطئ من أزمير إلى عكا». يتابع فياض «نشأ هذا البيت مدينياً بالمعنى الكامل للكلمة. وهو لم ينتقل إلى الجبال، إلا بعدما أصبح هؤلاء من أصحاب الثروة. نقدّم دير القمر مثالاً. في صور تعود إلى العام 1880 تظهر بيوتها ترابية وبلا قرميد. البيوت نفسها تظهر في صورة ثانية مغطاة بالقرميد بعدما أثرى أصحابها من صناعة الحرير، فعمدوا إلى تزيينها. إذاً، لم ينشأ البيت القرميدي في الجبل، كما لم يكن للقرميد أي فائدة إلا الزينة».
- لكن هل يمكننا القول إنه بيت تراثي؟
- نعم هو بيت تراثي. أولاً لأنه ابن المكان، ثم لأنه نموذج متكرّر حتى في ما يتعلّق بالقياسات، من حيث التصميم والتأليف واللغة المعمارية، وخاصة في الجبال في علاقتها بالمنحدرات. قد يكون انتشر عندنا أكثر من غيرنا من دول المنطقة لأنه انتقل إلى الجبال التي أثرت.

مطلع القرن العشرين

- متى انتقلنا إلى النموذج الحديث؟
- كان انتقالنا بطيئاً ومتدرّجاً، بشكل تبقى الذاكرة موجودة، ولم يكن هناك هذا القطع الذي حصل بعد الأربعينيات.
في أوائل القرن العشرين، دخلت مواد جديدة إلى عملية البناء مثل الاسمنت والحديد. وكانت السلطنة العثمانية قد أجرت الكثير من التحديثات على الحياة في المدينة (في العام 1908 كان هناك كهرباء، تراموي، خط قطار، شقينا الطريق إلى دمشق في أوئل القرن التاسع عشر وعبّدناها...). هذا النوع من الانتقال على مستوى الحياة، أدخل نوعاً من التحديث على البناء، وخصوصاً مع وجود تأثر بالثقافة الغربية. الأمثلة التي يمكن أن تقدّم في هذا الإطار هي بعض البيوت في زقاق البلاط مثلاً أو في شارع لبنان (شارع عبد الوهاب الانكليزي). نحكي الآن عن البيت القديم ذاته، مع الغرف، وأمامه «ترّاس» كبير اسمه «البرندة». هذه الشرفة تلائم مناخ المنطقة لأننا نستطيع العيش في الخارج، وهي أيضاً ملائمة لاجتماع الناس. وقد أتاح لنا استيراد الاسمنت أن نبني برندة كبيرة. ونشأت في هذ الفترات أيضاً تعديلات على الواجهة. الأقواس الثلاثة نفسها، لكن مع تفاوت في أحجامها. يعني أدخلنا عناصر تحديث، لكن البيت من الداخل بقي كما هو. في الفترة نفسها، 1910، بني ما يُعرف بالـ«بي ويندو»، وهو جزء من البلكون الناتئ. صرنا نبني على أعضدة. تغيرت الواجهة أيضاً مع المحافظة على الأقواس الثلاثة بأشكال مختلفة.
- بعدها انتقلنا إلى المرحلة الكولونيالية؟
- صحيح. وتتتميّز هذه المرحلة بأنها مرحلة العلاقة مع الشارع. عندما بنينا في زقاق البلاط كنا نتعامل مع الحديقة، كان الناس يطلّون على حديقتهم. في المرحلة الكولونيالية، دخل الفكر الغربي في علاقة الواجهة والناس مع الشارع ومع الناس الذين يسكنون قبالتهم في الطرف الآخر من الشارع. هذه ليست قضية شرقية. الشرقي المسلم لا يظهر نفسه. يبقى في حوش مغلق على ذاته. يعيش داخل فسحة داخلية. الثقافة الغربية من جهة، والثروة (أو حب إظهار الثروة) من جهة ثانية. نشأت المباني وبدأنا نعيش في شقق متجاورة. هذه فكرة حديثة، وهذا غرب الثورة الصناعية.

عندنا طريقة حياة لا يستطيع الغرب أن يغيّرها جذرياً وأهمّها الضيافة
كثافة السكان في المدينة أن نعيش كلنا في أماكن محددة وبنينا شوارع بكاملها على هذا النمط.
السمة الأساسية لهذه العمارة تمثّلت في الواجهات، التي قسّمت إلى ثلاثة أجزاء ويكون القسم ناتئاً في الوسط، كما زادت المباني ارتفاعاً. نجد هذا النموذج في منطقة المعرض في وسط بيروت، وفي شارع مي زيادة (الشارع الذي يربط القنطاري بكليمنصو) أو شارع سبيرز (قرب حديقة الصنائع)، هذه مبانٍ كولونيالية 100%.
حتى ذلك الوقت، تغيّر الخارج من دون إدخال جديد على استعمال المجالات المبنية في الداخل. الليوان في الوسط، لكن في الطابق الواحد شقتان ولهما التأليف نفسه: الهول الوسطي والغرف. وبقي المطبخ والحمام في طرف الممر الضيِّق الموصل إلى المدخل.

الفردية في البيت

- متى تغيّر هذا النمط من البناء؟
- تغيّر مع دخولنا مرحلة الإمبريالية، مرحلة القطع الكامل بعد استقلال لبنان ونشوء السلطة الوطنية. كبرت المدينة، وزحف إليها السكان. لم تعد «بلدة» العشرة آلاف نسمة التي بنت «البيت اللبناني» في بدايات القرن التاسع عشر. كما كبر دور بيروت الاقتصادي، وصار عليها أن تجاري التقدّم الإمبريالي الذي كان أقوى من النفوذ الكولونيالي على مستوى الثقافة ومستوى التأثير.
في هذه المرحلة، فرض علينا نموذج واحد للبيت: مدخل، صالون وسفرة، ممرّ يوصل إلى مطبخ وغرفة خادمة وحمام، وممرّ إلى غرف النوم، حمامان اثنان وربما ثلاثة. صار البيت مقسّماً إلى مناطق. بيوتنا كلّها تقريباً مبنية وفق هذا الطراز السائد إلى الآن.
فرض على الناس، رغم طريقة حياتهم واختلاف مواقفهم الاجتماعية، وتفاوتهم في الثروة والثقافة والمعرفة، نموذج واحد وقتل طريقة حياتنا. قضي على الليوان المكان الذي يجتمع فيه الجميع، وفرض الفردية، العزلة. نمّى شعار الفرد في المجتمع بعيداً عن الأسرة... صارت مجموعة أفراد وليس عائلة... تغيير كامل في نمط الحياة التي كانت موجودة في البيت القديم، أتت به الثقافة السائدة وتكوين المعماريين.

العمارة الغانية

تقصد القول إن المعماريين اللبنانيين لم يضيفوا شيئاً على هذا الطراز السائد؟
اليوم، صارت المهارة في أن نجد شكلاً جميلاً للبيت انطلاقاً من هذا الطراز. يبحث المعماريون عن خلق التوازن بين «المناطق» التي يتكون منها البيت، علماً بأن هويتنا ليست توزيعاً وظيفياً... هي شكل أيضاً. إن نقل ما يجري في العالم لا يعني أننا نساهم فيه. أن نضيف يعني أننا نساهم. لا يوجد عندنا تراث في البناء، بل مبالغة في التقليد. في الستينيات، كنا نقتبس بصورة مقبولة وكانت عمارتنا عاقلة ورصينة. نحن اليوم نفتقر إلى الرصانة. نفتقر إلى عمارة متزّنة وعاقلة ولا تبغي العهر. المعماريون في أيامنا هم أصحاب هذا الذوق، في حين كان هناك الكثير من المتّزنين في الستينيات مثل انطون تابت، وجورج الريس وهنري إده وواثق أديب. اليوم يصعب أن أسمي أحداً، لأن الكلّ خاضع لبرامج تأتي من الخارج ولا تأخذ المكان في عين الاعتبار، في حين أن العمارة ابنة المكان.