تخطّت الكرة مجرد كونها جلداً منفوخاً تركله الأقدام، وفسحة من التسلية تُدخل الفرح والسرور. هذه الكرة الصغيرة باتت ذا شأن مهم في الحياة الإنسانية والمجتمعات. انتشارها الهائل والتعلّق الكبير بها وتطور أداء نجومها، كل هذا جعلها مادة دسمة للدراسات والبحوث العلمية، بحيث لم تعد تستفيد فقط من التطور العلمي، بل أضحت هي من يرفد هذا الحقل بما هو جديد وغير مألوف. باتت هناك علاقة مشتركة بين هذه اللعبة والعلوم على أنواعها: اجتماعية وطبية ونفسية وفيزيائية.
المسألة هنا لا تتوقف على أن الكرة أصبحت اختصاصاً يُدرَّس في كبرى الجامعات العالمية، كما هي الحال في جامعة ليفربول الإنكليزية العريقة التي تقدم منهاجاً متكاملاً لتعليم إدارة اللعبة وتسويقها وتتيح الحصول على درجة ماجستير في إدارة الأعمال في ما يتعلق بكرة القدم وتركز على جوانب صناعة الكرة مثل الاحتراف والتسويق، أو بأن الحكومة الصينية اتخذت مثلاً في الآونة الأخيرة قراراً بإدخال كرة القدم كمادة في المنهاج العلمي للمستويين الابتدائي والمتوسط من أجل تطوير اللعبة في البلاد، بل أن يصبح نجم كالبرتغالي كريستيانو رونالدو مادة للتدريس العلمي كما قررت قبل فترة وجيزة جامعة «بريتش كولومبيا أوكاناغان» الكندية، فهذا تأكيد أنّ الكرة تخطت مرحلة أن تكون مجرد لعبة إلى «ظاهرة».
هكذا، ستدرَّس «مادة رونالدو» كنموذجٍ لطلاب السنة الرابعة في كلية الآداب، قسم علم الاجتماع في هذه الجامعة، حول موهبة النجم البرتغالي الكروية ومزاياه الشخصية التي أكسبته شعبية وتأثيراً على كثيرين في العالم.


«مادة رونالدو» باتت تدرّس في احدى الجامعات الكندية



ويقول لويس أغيار، الأستاذ المساعد في علم الاجتماع في الكلية: «أكثر شيئين أحبهما في حياتي هما كرة القدم والنقد الاجتماعي، وهذا المنهاج عن كريستيانو سيمنحني الفرصة لأدمج بين العشقين. وبينما أنا معجب برونالدو، أنا أيضاً عالم اجتماع مهتم بدراسة القوى الاجتماعية والاقتصادية المختلفة التي أدّت إلى تكوين مثل هذا الرياضي الخارق، وما يمكن تلك الدراسة أن تخبرنا بشأن قيمنا وثقافتنا المعاصرة».
البحث العلمي حول النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي أخذ منحاً آخر، وهو طبي، عندما قررت جامعة «رادبود نيمغن» الهولندية إجراء دراسة على دماغ أفضل لاعب في العالم 4 مرات لمعرفة كيفية اتخاذه للقرارات في جزء من الثانية، بحسب الطبيب بيتر ميديندروب الذي يضيف: «الدماغ ليس جهاز كومبيوتر، ولكنه آلة من الاحتمالات، حيث إن ميسي يقرر سريعاً ما إذا كان سيركض أو يقفز أو إذا ما كان يريد التسديد على المرمى، ونحن نريد معرفة كيفية القيام بذلك ومعرفة ما الذي يجعله يختار شيئاً واحداً وليس آخر».

الكرة وعلم النفس...

عرفت الكرة علاقة وطيدة مع علم النفس في ما يسمى علم النفس الرياضي. هنا الاستفادة متبادلة، إذ مثلما أن الفرق والمنتخبات الكروية تلجأ إلى هذا العلم من أجل تهيئة اللاعبين وإخراجهم من آثار الهزائم والضغوط وإعادة ثقتهم بأنفسهم بحيث يُستعان بمعالجين نفسيين لهذه الغاية، إذ إن مدرسة نادي أياكس أمستردام الهولندي، على سبيل المثال، تعتمد اختبارات لتحديد ذكاء وشخصية اللاعبين في سن 18 عاماً ومعرفة نقاط الضعف لديهم من أجل تقديم الحلول حتى يتمكن اللاعب من الأداء بأفضل صورة ممكنة، فإن علم النفس بدوره يهتم بدراسة عالم الكرة تحديداً لناحية تأثيره البالغ على حياة الأفراد في المجتمعات.

... والعلوم الفيزيائية والتكنولوجية

استفادت الكرة، ولا تزال، من التطور التكنولوجي الهائل إن على صعيد الملاعب عبر تقنية «تكنولوجيا خط المرمى» مثلاً والتجهيزات من الكرات التي أصبحت أكثر تطوراً عن ذي قبل إلى أحذية وقمصان اللاعبين العصرية التي باتت تتلاءم مع الأجواء المناخية، وهي تقنيات آخذة في التطور بحيث طُرحت مثلاً أفكار لِما يمكن أن تصل إليه هذه القمصان مستقبلاً كأن تُزوّد بأجهزة استشعار تُضيء تلقائياً عندما يقع اللاعب في مصيدة التسلل أو أن تُصمم قمصان تحمل إعلانات متحركة على شاشات رفيعة جداً. غير أن التكنولوجيا استفادت أيضاً من الكرة، إذ على سبيل المثال فإن شركة أميركية توصّلت إلى ابتكار يقوم على تحويل الطاقة داخل الكرة إلى طاقة كامنة يتم تخزينها للحصول عليها لاحقاً من خلال جهاز «يو أس بي» لاستخدامها في شحن الهواتف النقالة والمصابيح وغيرها وقد تم إجراء إختبارات محدودة عليها! هكذا، تشعّبت العلاقة على مرور الزمن، تحديداً مع التطور العلمي والتكنولوجي، بين الكرة والعديد من العلوم وهي، دون شك، ستزداد تداخلاً في السنوات المقبلة، ما دامت هذه الكرة الصغيرة الحجم والكبيرة التأثير، على مقولة الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر، «مجاز يُعبّر عن الحياة كلها».