كنت، وما زلت، لا أعرف ما جدوى الشعر أو ضرورته... ولماذا يحاول المرء أن يصبح شاعراً، وما هي الحدود بين أن تكتب قصيدة وأن تصبح شاعراً... إذ لا قصيدة بلا شاعر ولكن ثمة شاعر بلا قصيدة.


حسناً، تجمع لدي من القصائد ما يمكن أن يكوّن مجموعة شعرية صغيرة، دونتها في دفتر ذي مئة ورقة. قصائد «مضطربة» تحدق في شوارع بغداد منتصف السبعينيات، من القرن الماضي، وسط صعود واضح لفاشية بدوية، قيد التدريب والإعداد، عصية على التبويب في خانة التعريف الكلاسيكي للفاشية، بينما كان أصدقائي شعراء معروفين وغير معروفين بعد، يغيبون من تلك المقاهي والحانات والأندية ومقرات الصحف والمجلات العراقية، وسائر الأركان الحميمة التي كنا نرتادها هرباً من عيون «الأخ الأكبر» نحن الحالمين بأحلام كثيرة أكثر مما تتيحه القدرة البشرية على الحلم: كتابة قصائد حقيقية بلا خوف، أو قصائد تهجس الحرية وإن خالطها الخوف، وأن نجمع بين أن يكون الشاعر مواطناً، في الوقت نفسه، لا أكثر ولا أقل. وأنا، الآن هنا، لم أزل أزاول الأحلام نفسها.
جمعت تلك القصائد كما يجمع هارب خائف أثمن حاجياته الشخصية في حقيبة صغيرة قبيل الهرب النهائي من بلد لا يريد أن يكون وطناً. كانت وجهتي/ حلمي بيروت. وبيروت حاشية العرب الرقيقة وضلعهم الرخو، لكنها قاسية ثقافياً، بل «لئيمة» نقدياً، بيروت تفتح ذراعيها لك، شاعراً، تحتضنك بحب لكنها تتفحصك فنياً: هات ما عندك!
... وما عندي كان قليلاً، شاحباً، لم تكتمل عدته لوناً ومساراً ولغة. كنت في التاسعة والعشرين من عمري ولم أزل أبحث عن قصيدتي فأخاف، لأنني أعرف أن رامبو كان في التاسعة عشرة من عمره عندما أربك شعر العالم، وأنا لست رامبو الذي اقتحم باريس لأقتحم بيروت، والسؤال نفسه ما زال يرن بعد كل قصيدة أكتبها: ما الذي ستضيفه قصيدتك إلى شعر العالم؟
صحيح أن بيروت تطبع (وفق الأكذوبة الشهيرة: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ)، لكن بيروت تكتب والقاهرة تطبع وبغداد تكتب وتقرأ، ثلاث عواصم عربية تتبادل المواقع رغم إقليمية الثقافة العربية. لا بد أن أوضح، باختصار «إقليمية» الثقافة العربية فأقول: المناخ الثقافي في كل عاصمة عربية يكرس، في الأغلب، نوعاً شعرياً تصعب خلخلته، أو اختراقه أو مسايرته حتى! أكرر في الأغلب. كانت قصائدي خائفة، مثلي، داخل حقيبتي وأنا أدخل بيروت من تحت جسر الكولا.
جئت بيروت شاعراً معروفاً في بغداد لكنني مجهول، تماماً في بيروت، ثمة شعراء من أصدقائي وزملائي «تمكنوا» مما عجزت عنه: اجتياح «المؤسسة» الثقافية اللبنانية لا بقوة القصيدة إنما بسلاح «التسويق الذاتي» الذي لا أجيده حتى اليوم. في روايات الشعراء حول أنفسهم وغيرهم الكثير من الزيف، وإن كان في درجات متفاوتة. سألت شاعراً كيف طبعت ديوانك الأول؟ قال: دفعته إلى ناشر فنشره! مجاناً؟ نعم، بل دفع لي مكافأة سخية!
أخبرني صديق مشترك بأنه من حمل مبلغ الخمسمئة دولار إلى دار النشر تلك لتطبع ديوان ذلك الشاعر!

■ ■ ■


صحبني صديق مشترك هو الدكتور عصام الخفاجي، باحث وكاتب مرموق، إلى دار نشر يديرها في بيروت، آنذاك، محمد كشلي، وبتقديم مشكور من الخفاجي امتزجت به العاطفة العراقية والشعرية، كانت ردة فعل كشلي مجاملة مواربة فحواها: لن أنشر لشاعر مغمور... قالها بكياسة لبنانية لا تخفى على الشاعر اللبيب.
فكرت في أن أعوّم نفسي، كالينّ الياباني، عبر النشر في الصحافة اللبنانية، رغم أنني نشرت قبل تجربتي مع كشلي، لكن هل قرأ كشلي قصائدي في الصحف اللبنانية؟
سألني الكثير من الأصدقاء اللبنانيين عن «كتبي» الشعرية: محمد أبي سمرا وجودت فخر الدين وشوقي بزيع ومحمد العبد الله. وكنت أجيب: أنا شاعر بلا كتاب.
التقيت أهم شاعر عربي في بيروت هو أدونيس، بمبادرة من الصديقين هاشم شفيق وجليل حيدر. كان الرجل في غاية التلقائية (لا أحب كلمة «تواضع» لأنها تخلّي المتكبر عن كبريائه). استضافنا الرجل بكرم وكانت خالدة سعيد تنتحي جانباً ولم تشاركنا السهرة... كانت تكتب. سعد الله ونوس كان حاضراً. طرح أدونيس اقتراحاً: كونوا من بين محرري «مواقف» وإن لم تُذكر أسماؤكم في هيئة التحرير!
إنها ثقة كبيرة من شاعر مثل أدونيس بثلاثة شعراء عراقيين، كان هذا عام 1980 في شقته.

ضاع ديواني الأول محترقاً في
بيروت الحرب الأهلية والحصار الإسرائيلي، بينما كنت في كردستان أعمل في إذاعة الحزب الشيوعي العراقي

لم يعرف أدونيس أنني بين زميليّ بلا ديوان شعر... كنت محاوراً، فقط، وقلت بينما قلت: الشعر العربي في عنق زجاجة. يبدو أن رأيي أعجب أدونيس، قال: كرر الزيارة حتى لو جئت وحدك!
لم يعرف أدونيس أنني أبحث عمن يطبع ديواني الأول.
تركت «دفتري» الشعري عند صديق وغادرت بيروت التي لم أجد نفسي فيها، كي لا أقول: لم أستوعبها ولم تستوعبني! بخلاف كثير من أصدقائي الذين يتحدثون عن بيروت بما يشبه العشق المبالغ فيه!
كنت أهجس شاعريتي بيني وبين نفسي، شاعر «على قد حاله» بلا أوهام وطموحات خارج قصيدته، قصيدته فقط.
كنت «مصراً» على كتابة الشعر وطناً «بدلاً عن ضائع»... الشعر لغتي الخاصة للتفاهم مع نفسي، أولاً.
... وإذْ اندلعت حرب الأنصار الشيوعيين في كردستان إثر هجمة عنيفة على الشيوعيين واليساريين العراقيين في العراق، قررت الالتحاق بهم، هناك، وفق حماسة غيفارية شابة لازمتني عند سنيّ مراهقتي.
لكن الوجه الثاني لقراري هذا هو: محاولة للهرب من بيروت!
كردستان في العراق... سأكون في وطني حتى لو أقمت بين الثلج والذئاب... النار علاج الإثنين، وما أكثر الأشجار الذبيحة في كردستان، كالبشر.
بعد شهرين من وجودي بكردستان العراق، سمعت بأن ديواني الأول «من أجل الفرح أعلن كآبتي» نشر ببيروت! وكان ذلك عام 1982.
عرفت أن داراً للحزب الشيوعي العراقي اسمها «الفكر الجديد» هي من نشرت الديوان، لكن هذه الدار لم تنشر أي كتاب آخر غير ديواني!
أين نسخ الديوان؟ كيف توزعت؟ من قرأها؟ من كتب عنها؟ لا أدري!
أخبرني أحد رفاقي الذي التحق بكردستان: وزِّع الديوان بشكل واسع جداً! أين؟ قال مفتخراً: كل منظمات العمال والطلاب والشبيبة وشغّيلي معمل «صامد» وسوق الخضار في صبرا وشاتيلا ومنظمات الثورة الفلسطينية ومقاهي الفاكهاني ومطاعمه... إلخ!
سألته حزيناً: يعني ولا صحيفة لبنانية ولا شاعر لبنانياً ولا قارئاً حتى؟ سؤال آخر: هل تعتقد بأن ثمة من يقرأ الشعر في تلك المنظمات والأحزاب؟ أجاب: نعم أعتقد، لأنهم جمهور محمود درويش نفسه!
أُسقط في شعري وغالبت يأساً خليطاً بين اللافهم والمنطق الحزبي في فهم الشعر وتداوله و... توزيعه، وهكذا ضاع ديواني الشعري الأول محترقاً في بيروت صيحةً ضائعة في فضاء الحرب الأهلية. بينما كنت في كردستان أعمل في إذاعة الحزب الشيوعي العراقي عندما كانت بيروت تحترق أيضاً بنيران الاحتلال الاسرائيلي عام 1982، وأنا أصرخ في ميكرفون الإذاعة التي لا يسمعها أحد: أيها الشعراء اللبنانيون والفلسطينيون المحاصرون، تعالوا إلى كردستان وطناً يحتضنكم إذا ضاقت بكم سبل القصيدة.
أضعت قبل هذا الديوان ديواناً مخطوطاً آخر في القطار الصاعد من البصرة إلى بغداد بعد زيارة أصدقائي في ثغر العراق الحزين: البصرة. الصديق الممثل المسرحي رياض محمد كان شاهداً على ما حدث.
ذهبت صباح اليوم التالي من وصولي إلى بغداد إلى «المحطة العالمية»، وكان هذا اسمها آنذاك، باحثاً عن القطار الذي أقلني البارحة... فما دلني أحد!
كان عليّ أن أبحث في القطارات الموجودة كلها، في المحطة، وهي أكثر من خمسة عشر قطاراً!
البحث عن قطار أسهل كثيراً من البحث عن «دفتر» ذي مئة ورقة!
سألتني عاملة التنظيف، وهي فتاة جميلة، بشرتها محترقة تحت شمس عراقية شبقة: ماذا في الدفتر... رسائل غرامية؟ حسابات تجارية؟ أراك مهموماً وقلقاً؟ أجبت وأنا أحدق بعينيها السوداوين: بل أهم من هذا بكثير... يحوي الدفتر مذكرات حياتي التي كتبتها شعراً.
عانقتني ثم سحبتني من يدي مقترحة: سأساعدك في البحث عن مذكرات حياتك المكتوبة شعراً.
ولكن بلا جدوى، سوى ما تركته تلك الفتاة، سوداء العينين، على جلدي من قصائد وفي روحي من وعود.