عبر تداخل زمني بين لحظة راهنة، قصيرة نسبياً، وماضٍ بعيد، يمتدّ طويلاً، اختارت الكاتبة بسمة الخطيب أن تبني روايتها الأولى «برتقال مرّ» (دار الآداب - 2015). فبطلة الرواية الواصلة من قريتها الصغيرة في صيدا إلى بيروت لتحقق حلمها الوحيد، وتلتقي بطل هذا الحلم، ستتفجر ذكرياتها منفلشة على امتداد صفحات الرواية، لتغدو اللحظة الراهنة نتيجة طبيعية لهذا الماضي، وتتحوّل، بزمنها القصير، إلى ما يشبه حلماً خجولاً يطلّ برأسه خفراً عبر ثنايا تاريخ الشخصية المبني على القهر والظلم والاضطهاد. «كان يمكن أن تنتهي الحكاية باكراً، وأموت خفيفة وبريئة. لو أن الأرض لم تكن مشبعة بأمطار اليوم السابق، لو أن التي كانت تتجه نحوي كانت «عيشة» كما ظننت، ولم تكن جدتي خارجة لتنتزعني من الموت».


إذاً، بدايات الحكاية تعود إلى الطفولة، و»عيشة» التي تكتفي البطلة باسمها مجرداً من لقب الأم، ستغدو هي بطلة الحكاية، فهي من كان له الأثر الأكبر بخلق شخصيّة الفتاة، المترددة، الخائفة، غير الواثقة من نفسها، لتتحوّل حياتها إلى كتلة من الأسرار تخشى البوح بها، وتكتفي من عالمها الصغير بدور المراقب الخائف. هل كانت بطلة الرواية، التي لن يظهر اسمها إلا في آخر كلمة من الرواية، حكايةً فريدة مختلفة عمّا عاشته المرأة عموماً في مجتمعها؟ بالتأكيد ستجيب الرواية بالنفي عن ذلك، فهي ليست إلا نموذجاً واضحاً لما تتعرض له المرأة من ظلم واضطهاد في مجتمع لا يزال يحتفي بولادة الذكور، ويعتبر ولادة الأنثى وصمة عار.
بالتوازي مع شخصيّة عيشة «الأم» التي اختزلت تاريخاً من الظلم لتصبّه على ابنتها، فتترك فيها ندبةً أكثر عمقاً ووجعاً من الندبة التي وشمت رقبتها جرّاء سقطة في طفولتها، اختارت الكاتبة أن توجد شخصيّة الجدة التي تسحب بطلة الرواية من عالمها الموجع إلى عالم حكاياتها الساحرة التي تترك دوماً، رغم ما تحمله من ألم، فسحةً للأمل، «آمنت طويلاً بأن تلك الدجاجة هي أنا، وبأنني لا شكّ سأتحول إلى حورية ذات يوم». وبين هذين الخطين، لا بدّ من وجود من يرتق الجرح، فيترك ندبةً في الجسد تترافق مع أملٍ بأنه سيرتق جرح الروح يوماً ما.


جملة قصيرة جنحت في بعض مناحيها باتجاه الشعرية
وإن كان للرقم ثلاثة أهميته في الموروث، كما تقول بطلة الرواية، فإنّ الكاتبة اختارت هذه الثلاثية لتكون الحامل لأحداث تمحورت، رغم تشعب الحكايات، حول فكرة الاضطهاد وما يمكن أن يخلّفه لدى امرأة اجتمعت عليها الظروف، حياة قاسية، وحظ سيئ، وأمّ اختارت ابنتها لتفرغ فيها كلّ موروثها من الاضطهاد، معتمدةً في سردها على الجملة القصيرة، الجانحة في بعض مناحيها باتجاه الشعرية، وعلى مقاطع قريبة ببنيتها السرديّة من أسلوب القصّة القصيرة، لتعود إلى وصلها عبر ومضات من اللحظة الراهنة، التي بدت كأنها تتلاشى في ماضٍ يفرض سطوته عليها بقسوة، تتجلّى تلك السطوة في ذروة دراميّة حين يتزامن دخول عيشة المستشفى، مع اقتراب لحظة تحقيق الحلم، فهل هي مصادفة؟ أم أنّه قدر اختار بطلة الرواية ليرسّخ فكرة كونها الضحية دائماً «وقد اختارت عيشة موعداً مصيرياً لتموت، واختارت الموعد نفسه الذي اخترته أنا لأعيش». إنّه الموت الحاضر دوماً كعثرة أمام خيارها بالعيش. حياة امرأة تشبه إلى حدّ كبير شجرة النارنج «البرتقال المرّ» ذاك الذي عفّ الناس عن أكله لمرارته، فأوشك على الانقراض، قبل أن يهتدي الناس إلى زهوره لتصبح روحها مصدراً لماء الزهر الذي أتقنت الجدّة صنعه، وعلّمت حفيدتها سرّه.
عبر فصلين، ارتأت أن تقسم روايتها إليهما، انهمكت الكاتبة بسرد تاريخ طويل لمنطقة جغرافيّة صغيرة تختصر تاريخ محيطها الواسع، وشخوصٍ قليلي العدد يختصرون ظلماً إنسانياً واقعاً على نسبة كبيرة من نساء العالم. غير أنّ الإسهاب في هذا التاريخ، وتشعّب الحكايات، التي أفلتت من يد راويتها في مفاصل عديدة، لتظهر كجزرٍ تائهة في بحر السرد، أفقد الرواية تماسكها، وأوقعها في مطبّ ما يعرف بـ»الرواية الأولى» الذي قد يرى البعض فيه مبرراً للهنات التي عانت منها الرواية. لكنّه مبرر يفقد قيمته عند قارئ يقرأ الكتاب بمعزل عن رقمه المتسلسل في تاريخ كاتبه. حين يفلت السرد من عقال الراوي، ستصاب بنية الرواية بالترهل، الأمر الذي سينعكس سلباً على المتلقي (القارئ). بدا ذلك جلياً في «برتقال مرّ» حين غاصت الراوية في قضايا شائكة متعددة ومتشعبة من دون أن يتضح، في كثير من الأحيان، الخيط الذي سيعيدها إلى المنظومة السردية، ما أضعف البناء الروائي الذي اختارته ليحمل حكايتها من دون أن تستطيع تخليصها من روحية القصّة القصيرة.