لن نقع على سيرة مكتملة لمولانا جلال الدين الرومي (1207- 1273). هناك دوماً أسئلة بقيت طي الكتمان في ما يتعلّق بعلاقته مع معلّمه شمس الدين التبريزي. الوله الذي قلب حياة المريد رأساً على عقب، بما يتجاوز الخطاب العرفاني بدرجات، وضعه في دائرة الاتهام لجهة البدعة والضلالة، وازداد لغز هذه العلاقة غموضاً، إثر مغادرة المعلّم قونية فجأة، بعد 16 شهراً من الإقامة فيها، متجهاً إلى دمشق. في كتابه المرجعي «بحثاً عن الشمس: من قونية إلى دمشق» (دار نينوى- دمشق ـ ترجمه عن الفارسية عيسى علي العاكوب)، يسعى عطاء الله تديّن إلى اقتفاء أثر جلال الدين الرومي ومرشده شمس التبريزي، وتفكيك جوهر هذه العلاقة الغامضة بين الرجلين. ورغم توغّله في عمق هذه العلاقة الفكرية والروحية، متكئاً على مصادر أساسية في المكتبة الفارسية، بالإضافة إلى آثار الرومي «المثنوي»، و»شمس تبريز»، إلا أنه لم يمط اللثام عن الشكوك التي انتابت بعضهم بطبيعة هذه العلاقة. هل هي روحية خالصة؟


في روايتها «قواعد العشق الأربعون» لمّحت أليف شفق إلى وجود مثل هذه العلاقة الملغّزة بين المعلّم والمريد، خصوصاً بعد زواج التبريزي من «كيميا» التي لم يقربها أبداً، فماتت كمداً، ما استدعى اختفاء شمس من المدينة. يشير عطاء الله تديّن إلى التحوّل الجذري الذي أصاب الرومي بعد قدوم شمس تبريزي إلى قونية، إذ لم يعد ذلك الفقيه في علوم القرآن والحديث، إنما الشاعر العاشق المتصوّف الذي استبدل الحانة بالمسجد، غير عابئٍ بما يدور حوله من أقاويل وإشاعات، حتى أنه تخلّى عن تلاميذه ومريديه، ليعانق ذلك المجهول رثّ الثياب، ويذهب في خلوةٍ معه، لمدة أربعين يوماً «ثم جلس على ركبتيه وقبّل يده، ولم يأذنا لأحدٍ بدخول خلوتهما. وكأن القلب الحزين لجلال الدين وجد الشفاء في الصيدلية الباعثة للحياة». في إشارة أولى إلى ما ينتظر الفتى جلال الدين الذي رافق والده في رحلة إلى الحج، وعبورهما نيسابور، يلتقيان فريد الدين العطار الذي سيهدي الصبي كتابه «أسرار نامه». وسوف يخاطب والده قائلاً: «لن يمضي وقت طويل حتى يضرم ولدك هذا النار في محترقي العالم».


التجربة الحسيّة والمنهج العقلي هما الطريق إلى الحقيقة


الرحلة التي بدأت من بلخ الأفغانية انتهت في قونية التركية، فكان على جلال الدين أن يكمل مسيرة والده، بعد وفاته، في الوعظ والإرشاد، خاضعاً لتعاليم برهان الدين الترمذي، أحد مريدي الأب. وسوف ينصحه بأن يكمل تحصيله في فروع علوم ذلك العصر، فسافر إلى حلب، ثم أكمل طريقه إلى دمشق، وأقام فيها نحو أربع سنوات. وفي هذه المدينة ظفر بلقاء محيي الدين بن عربي، ثم عاد مجدّداً إلى قونية، محمّلاً بعطر هذه المدينة «أنا عاشق ومندهش ومجنون بدمشق». الانعطافة الكبرى في حياة «إمام متمرّدي العشق» حدثت لحظة تعرّفه إلى شمس، ولحظة فراقه. هو سيعيش انقلاباً جذريّاً في منهجه العرفاني، وانتقاله من دروس الفقه إلى نشوة السماع، وطواف البدن، في ما سيُعرف بالمولوية، أو «رقصة الدرويش». الرقصة التي ستجوب الآفاق، كأعلى مراتب العشق الإلهي والانجذاب الصوفي. ولكن ما مصير شمس التبريزي الذي ترك مريده معلّقاً في فضاء الوجد؟ لقد توارى عن الأنظار نهائياً، وفقاً لما يقوله هذا الباحث الإيراني، فهل كان ساحراً، أم عارفاً، أم ملحداً؟ ينفي مولانا كل التهم التي لحقت بمعلّمه، واصفاً إياه بأنه «مظهر لكمال الإنسانية»، و»وطن للروح»، و»دائي ودوائي»، وبدا إسرافه في غزليات «شمس تبريز» نوعاً من عرفانية جديدة، قادته إلى مدارج الكمال، إذ تغدو «الكائنات كلها إقليم العشق». هكذا صنع شمس في حضوره وفي غيابه من مريده عاشقاً ثائراً، وراقصاً محلّقاً في منطقة اللاجاذبية، ذلك أن «غاية السماع، تذكُّر المعشوق» من دون أن نهمل فكرة جوهرية، هي لبّ فلسفة التبريزي، وقد أودعها ذاكرة المريد، بقوله إنّ التجربة الحسيّة والمنهج العقلي هما الطريق إلى الحقيقة. لعل هذه الأفكار الجديدة في معنى التصوّف سبب سخط تلاميذ مولانا على أفكار معلمه، في جمال الكشف والوجد والإشراق، والقدرة على «الوثبات الروحيّة» المتفلّتة من ثبات النظرة إلى المقدّس، وفتح أبواب الأماكن المغلقة نحو فضاء شاسع لا تحدّه قيود، وذلك بأن «نجلو باطننا من الشكّ والتردّد، ونغدو طاهرين، لكي ندرك وحدة أجزاء العالم ونظفر بالشهود». كان على شمس إذاً، أن يختفي بعدما عالج المريد من اضطرابه الروحي، ومنحه هوية جديدة في مدرسة العشق، كي يغدو «سبّاحاً منشغلاً بالسباحة في داخل روحه». يقول مولانا مبرّراً تحوّلاته: «شمس هو الذي أمسك بيديّ، وحوّل القفص الترابيّ عندي إلى عتبة مقدّسة ونورانية»، فيما يجيب شمس معلّلاً تعلّقه بمولانا «أردتُّ مراراً أن أختم على لساني بالصمت وعلى قلبي بخاتم النسيان، ولكن عندما رأيت مولانا نسيتُ هذا العهد».