باسمة العنزي *

ذات مساء صيفي، وأنا أقضم اللقمة الأولى من بيتزا الخضر بالجبنة، وقبل أن أشرب كأس الكولا المملوءة حتى منتصفها بالثلج، جاءني اتصالها المفاجئ!
– مرحبا، قرأت اليوم في الصحيفة خبراً عن روايتك، ألا تبدو البطلة كأنها أنا؟!
حاولت كثيراً أن أتجاهل حكايتها، أن أبتعد عن حيّز ذبذباتها الصوتية، وهي تبث لي طوال الوقت أجزاء متفرقة من معاناتها. طبعاً، لم أكن الوحيدة؛ فقد شاركني بوحَها كثيرون.

فكرت أن أعيد تدوير الكلام، أن تلمسه عصا الكتابة، فيستحيل سماعي إياها فاصلاً ممتعاً لكتابة فصل أو اثنين، بدل ضجري من القيام بدور الزميلة المستمعة. جملة واحدة منها بإمكانها التحول إلى مواضيع عدة متشعبة، تبدأ من صباح الخير، وتنتهي بأخبار اللاجئين حول العالم، ومؤامرات الماسونية، وتردّي الخدمات الطبية وازدحام المدينة صباحاً.
كانت مُلهمتي. كلُّ من قرأ الرواية رسخت شخصيتُها في باله أكثر من غيرها، قالوا لي: «رسمتِها بدقة»، و«كأننا نعرفها جيداً». صحيح أنني أخذت نصف الحقيقة والباقي مزجته بمحلول الخيال، وأنها كانت حاضرة في نهاري، وفي النسيج الروائي لعمل أمضيت تسعة أشهر وأنا أكتبه! ولكنها هي بعد سنتين من النشر، تكتشف تقاطع سيرتها مع أخرى من ورق تركت فردة حذائها الأسود على الرصيف.
جلستْ ساعات تفتش في «غوغل» عن كل ما كتب عن النص والبطلة التي تشترك معها في بعض جوانب حياتها! حسناً لأعترف هنا: تشترك معها في أكثر من نصف جوانب حياتها البائسة. كانت ليلة كابوسية، وزعت فيها الأسئلة المدببة والملاحظات المليئة بالشك، أخذت تقرأ على مسامعي آراء القراء والنقاد، وتتساءل عما قصدت، وأنا أبرر كما يبرر أهل الكتابة، أو الواقعون في ورطة:
– إنها محض مصادفة! أصلاً من كتبتُ عنها لديها أربعة أبناء وأنت لديك واحد. هي طويلة وأنت قصيرة. زوجها عاطل وزوجك يعمل. عيناها سوداوان وعيناك عسليتان. ثم إنها ماتت في النهاية، وأنت حية ترزقين، فكيف أكون كتبتُ عنك؟!
بردت البيتزا. ذاب الثلج في قاع الكأس. أكلمها بتوتر وأحوم في المنزل، أغلق النوافذ، أفتح الثلاجة، وأشحن جهاز اللاب توب، سنلتقي بعد يومين. ربما أخبرتْ كل الزملاء بالحكاية؛ أنني كتبتُها! وربما طالبتني بتعويض مادي أو حتى باعتذار.
أنهيت المكالمة معها بحجة أن هناك من يطرق الباب، بينما ظنوني تخلع أبواب الطمأنينة.
عدت إلى نسخة من كتابي. أخذت أقرأ مجدداً المقاطع التي تظن أنها عنها! وصفتها بالثرثارة، قلتُ إنها كانت تستمتع بدور المسحوقة، وإنها لا تعتني بمظهرها، أصابني الرعب لو سقطت نسخة بيدها! هل ستبكي أسىً على نفسها؟ هل ستعجبها الشخصية التي أخذت دور البطولة في العمل بتلقائية مريحةً من سواها؟ الدور الذي لم يُتح لها يوماً على أرض الواقع.
أخبرت والدتي بالأمر وصديقتي وأختي، الكل شهق متعاطفاً معها! في اتصالها، لمحت أنها قرأت معظم ما كتب عن العمل، كانت تستخدم «غوغل» لمزيد من الأدلة. عندما طلبت مني نسخة ورقية أخبرتها بأنها نفدت، وهو الأمر الذي لم يتحقق يوماً، فالنسخ مكدسة في دار النشر وفي خزانتي. دخلت فراشي مضطربة. داهمني الأرق. ماذا لو حصلت على الرواية؟ هل ستنزعج من وصفي أم تُحرج أم تكرهني؟ في النهاية كلها مشاعر مؤذية، وهي شخصية مسالمة، قادرة على استمالة الكل للتعاطف معها. ما الذي جعلها تقرأ صحيفة الصباح؟ نحن في مجتمعات لا تقرأ إلا مقررات الدراسة، وهي لا علاقة لها نهائياً بالأدب، طوال عمرها لم تقرأ رواية! استيقظتُ صباحاً بمزاج متعكر، فتحت جهاز اللاب توب، قبل أن أعدّ لنفسي إفطاراً، وبدأت أنقّح المخطوطة، بحيث أمسح كل ما يمكن أن يعزز شكوكها. أكملت عملية تزوير عملي. طبعت الأوراق، وفي صباح اليوم التالي، توجهت إليها متظاهرة بعدم الاهتمام:
– هذه الرواية التي سألتني عنها، ليتك تضعين ملاحظاتك عليها وتعيدين إليّ النسخة.
فرحتْ، وشوشتُها أن تُبقيَ الأمر سراً بيننا، وراقَها أن يكون الأمر على درجة عالية من الأهمية.
مرت أيام ولم تقرأ سوى عشر صفحات من العمل المزيَّف. مرت أسابيع، وكل مرة نلتقي تعدني ما إن تخرج رأسها من دوامة حاضرها حتى تتفرغ لأوراقي والتعليق عليها. مرت أشهر الصيف البطيئة، بعدها لم أعد أسأل، ولا أظنها قرأت صفحة جديدة من القصة التي هي بطلتها!
* كاتبة كويتية