في وسط باب التبانة في طرابلس، مبنى «عجائبي» لا يزال قادراً على الوقوف رغم قذائف «الأر بي جي» التي ضربت واجهته. هوى القسم الأكبر من الطبقة الثالثة منه خلال ما يعرف اليوم بمعركة الحسم بين الجيش ومسلحي طرابلس، فانكشف أثاث ساكنيه أمام مشاة الشارع. سقطت الستائر عما بقي من حياة خاصة لعائلة الرشيدي، الأسرة الوحيدة التي لم تستطع هجر المبنى المعروف بـ«القبوط». هكذا تحوّل منزل العائلة إلى بيت، نصفه يخضع لقوانين البناء كونه يقوم على قاعدة من الحجارة، فيما تخضع ملكية القسم الثاني لقوانين الطبيعة، بعدما هبطت قاعدته ولم يبق منه سوى جدار معلق في الهواء.


«هندسة غير شكل» يصف خالد، رب الأسرة، بيته ساخراً. ويتابع من بعدها حديثه بنبرة أكثر جدية، مشيراً إلى أن تقارير المهندسين المدنيين تؤكد احتمال سقوط المبنى في أي لحظة. صاحب سيارة الأجرة هذا يعجز عن إنقاذ عائلته ونقلها الى بيت حجارته ثابتة ومتماسكة.
أما ابنته، بشرى (12 عاماً) فباتت تفرش سريرها يومياً على أرضية بقايا البيت. بشرى هي الوسطى بين خمسة أشقاء: محمد (15عاماً) وبلال (14 عاماً) وسعاد (أربعة أعوام) ومريم (عامان ونصف). خسر هؤلاء القسم الأكبر من منزلهم. بقيت لهم غرفة واحدة، يلعبون ويأكلون وينامون فيها. وفي الصباح، يخرج الجميع إلى أشغالهم، ما عداها هي وأمها. الرجال إلى العمل، والطفلتان الصغيرتان إلى المدرسة. وحدها بشرى تبقى حبيسة المنزل، ترافق والدتها في نهارها. فقد تركت المدرسة بعد الحادث «واحترقوا الكتب كلّن». تحلم بالعودة الى مقاعد الصف، لا بل تشاركك حلمها مرددة «أريد العودة الى المدرسة، أريد أن نعيش كلنا مبسوطين في بيت واحد».
اشتاقت لصديقاتها في المدرسة وإلى اللعب التي كانت تملكها قبل المعركة. تمضي نهارها وهي سارحة في أفكارها. موجودة جسدياً، غائبة عقلياً. تمضي نهارها في المبنى، تتنشق رائحة ترابه المتشبّع بمياه العواصف. تتمشى على أدراجه وأصوات الدمار ترافقها. تدوس في كل خطوة على حجرة من تلك التي شكلت سقفاً لمنزلها في ما مضى. أما والدتها فتحاول عبثاً الحفاظ على تماسك ما بقي من المنزل. تحشو الثغَر التي خرقت جدران البيت بما لديها من «أكياس نيلون» وثياب رثة كي لا يدخل البرد ليلاً الى قعر دارها.
عينا تلك السمراء لا تشبه من يشاركها العمر نفسه. ففيهما حزن عميق، وعتب لا تعرف إلى من توجهه: لا على دولة لا تعرفها، أو على مصير لا تفهمه. هو مجرد عتب ومشاعر غريبة باتا رفيقَي عمرها. وهي لا تفهم شيئاً. كلّ ما تعرفه أن معارك طرابلس لم تنته بعد. في ذهنها صور متكررة لجولة جديدة تقصف خلالها المنازل فتسقط الجدران. تُرشق البيوت بالرصاص فيتوجه سكانها الى الملاجئ. تتدمر الأبنية وترتفع قافلة الشهداء. صراخ يعلو ويرافقه بكاء عنيف. تحلّ هدنة «غير رسمية»، يسيطر الصمت على المشهد لدقائق قبل أن تخرقه صفارات سيارات الإسعاف فتعود الحرب الى أوجها من جديد.
تقع هذه المعركة يومياً في ذهن ابنة طرابلس بشرى الرشيدي، في كل مرة تدير فيها نظرها شمالاً أو يميناً داخل ما تبقى من بيت طفولتها الدافئ. وما ترويه، ليس إلا استعادة لذلك النهار الأليم بتفاصيله وتراتبية أحداثه. «كنا في بداية الليل، أتى الجيش وطلب منّا ترك المبنى. خرجنا وأمي تحمل كيس ثياب بيدها حضّرته منذ سماعها ببداية المعركة. وهي لم تنس نظارات أختي الصغيرة فأخذتها معها. توجهنا الى الملجأ، وما هي إلا ثوان حتى سمعنا صوت قذائف ودمار. عندها صرخ أبي: سقط المبنى، خسرنا كل شيء». هذه هي بشرى، صاحبة اسم لم تعرفه أو على الأقل لم تدرك معناه. وكيف يكون هذا وهي لم تعرف منذ لحظة وعيها العقلي على الحياة سوى العيش في منزل مهدم لا يستلزم شروط السلامة العامة. بشرى تعيش اليوم حياة لن ينقذها منها سوى «بشرى» حقيقية تقلب المقاييس وتعيد لها أبسط حقوقها.