دمشق | ووريَ جثمان عمر حجّو أمس في مقبرة «باب الصغير» في دمشق، على مقربةٍ من أسوار دمشق التاريخية، بعدما عبر موكب جنازة الراحل الكبير شوارع العاصمة السوريّة، مخترقاً ازدحامها، ومتخطيّاً حواجزها، انطلاقاً من مشفى «الرازي» الكائن في شارع «المهدي بن بركة» (أوتوستراد المزّة)، مروراً بجامع «لالا باشا» في شارع بغداد، حيث كانت صلاة الجنازة. جنازةٌ كانت أفضل حالاً من حيث عدد الحضور، مقارنة بجنازات فنّانين سوريين كبار فقدتهم البلاد العام الفائت كعبد الرحمن آل رشي، وعصام عبه جي.


ربما أراد بطل «الانتظار» جنازةً تعبر شوارع حلب، وقبراً يواريه تراب مدينته الأم التي ولد فيها. لكن رياح السوريين، باتت تأتي بما لا تشتهيه سفنهم، منذ أربعة مواسم ربيع، استحالت شتاءاتٍ قاسية. هكذا استراح جَسَدُ حجو ليس بعيداً عن أزقّة «باب توما» التي أدى فيها مع رفيق دربه دريد لحّام، أحد أروع المشاهد في مسلسل «سنعود بعد قليل» (2013). في ذلك المشهد، أدار الصديقان ظهريهما للكاميرا، متكئاً أحدهما على الآخر، ينشدان لـ»مهرة الخلف الجبل خيل العدا ما تطالها... تخطر وراعيها البطل جالس يغني قبالها».
على باب جامع «لالا باشا»، أسند لحّام ظهره أمس في انتظار إقامة الصلاة، دامع العينيين، عاجزاً عن رثاء رفيقه، بكلماتٍ ألحّ الصحافيون على طلبها، لكنّه امتنع معتذراً بلطفه المعتاد، وسط مواساة ابن الراحل المخرج الليث حجو. مخرجون، منتجون، فنيّون، وممثلون وقفوا على باب الجامع بدورهم، ينتظرون أداء الصلاة الأخيرة على روح الفقيد، بينما تتنقل كاميرات الصحافيين، وميكروفوناتهم لأخذ شهاداتٍ يدلي بها الحاضرون بحق الراحل. يتنفّس سليم صبري بعمق قبل أن يقول لنا: «عمر حجّو رفيق الدرب الطويل، كان إنساناً، بكل ما تعني كلمة إنسان، ومحبّاً لكل الناس، وصاحب خير، قضى حياته كلّها في سبيل الخير والفن، حيث كان دائماً يبحث عن إبداعٍ جديد يسرّهم، رحمه الله». المخرج زهير قنوع الذي تولى مهمّة إبلاغ جميع الأصدقاء من فنّانين، وصحافيين بموعد الجنازة قال لـ»الأخبار»: «كنت محظوظاً بأنني اشتغلت مع الراحل عمر حجو في مسلسل «الهاربة» عام 2007، واستفدت من خبرته، وتاريخه الطويل. هو قامة كبيرة، لا تتسع دقائق قليلة للحديث عنه، وقلعة من قلاع الفن السوري، ومن مؤسسي الحركة الفنيّة في البلاد».
تعود معرفة عبّاس النوري بعمر حجّو إلى أكثر من 20 عاماً، عرفه خلالها كـ«إنسان غني بالتجربة، راقٍ بالفطرة، ليس متكلفاً على الإطلاق، ولم يرتدِ يوماً وجه المثقّف، أو النجم، لكنّه يضيف قيمة على المكان الذي يوجد فيه، والأشخاص الذين يلتقيهم». ويلفت بطل «ليس سراباً» لـ«الأخبار» إلى أنّ «الكلام عن القامات الكبيرة ليس مرهوناً بما حققته من نجاحات، وحضور في الساحة الفنيّة فقط، فهذا جانب معروف للجميع، لكن الجانب الأساسي هو المخفي في التجربة المريرة التي خاضها الفقيد، حيث حمل تاريخاً كبيراً جداً، من المعاناة، والصعوبات، والتحديّات، والإخفاقات، والنجاحات.


اضطراره إلى مغادرة مدينته حلب لعب الأثر الأكبر في تهاويه
84 عاماً كان خلالها شاهداً حقيقياً على العصر مع أبناء جيله، كما الراحل تيسير السعدي، ونحن بحاجة في سوريا إلى دراسة تاريخية عبر هؤلاء الشخوص، يقوم بها مؤرخون ونقّاد بعيداً عن الشعارات، وليس وفقاً لطريقة المؤسسات الرسميّة. من المهم تعريف الأجيال بأن هذا العصر تقدّم عبر الثقافات التي راهنت على تغيير حقيقي وجذري في حياة مجتمعنا. معركة لطالما خاضها الفنّان السوري، والفترة التي عاشها حجو جديرة بالدراسة لناحية معركة التغيير الاجتماعي الواجب حصوله على مستوياتٍ عديدة، بدءاً من شخصيّة المواطن، وحقوقه، وحريّاته، وانتهاءً بالقضايا الكبرى. بخسارة عمر حجو خسرنا واحداً من أهم شهود عصرنا».
محمد خير الجرّاح ابن حلب عاد بالذاكرة إلى أيّام طفولته، حين كان والده الفنّان والمسرحي عبد الوهّاب صديقاً لحجّو. يقول لـ»الأخبار»: «أنا لم أعرفه، بل عشته باعتباره بالنسبة للسوريين جزءاً أساسياً من تاريخنا الفنّي، ليس كممثل، بل صاحب مشروع له كبير الأثر في ثقافتنا، ومشروع إنساني بمحيطه، يهمّه تحقيق الفائدة لكل مَن حوله». هنا يشير نجم «بقعة ضوء» من باب التندر، إلى أن الفقيد لعب دوراً أساسياً في تأمين عمارتين لسكن الفنّانين في حي «المزّة» في دمشق، لكنّه لم يحصل على شقّة طوال عمره في العاصمة السورية، وأمضى معظم حياته في مدينته حلب، قبل اضطراره إلى مغادرتها خلال السنوات الأخيرة بسبب الأحداث، ليقيم في طرطوس ويفارق الحياة في منزل ابنه الليث في العاصمة السورية أمس. ورأى الجرّاح أن اضطرار حجّو إلى مغادرة حلب «قسرياً» وانهيارها كمشروعٍ وحلم بالنسبة إليه «كان له الأثر الكبير بتهاوي هذا الإنسان الكبير، إذ ظهر عليه بوضوح أخيراً، مدى الحزن والكمد لما جرى بمدينته».
أدى المشيّعون صلاتهم الأخيرة على راحة نفس الراحل وحُمل نعشه على أكفّ مشيعيه، يتقدمهم ولداه الليث وسالم، والمخرج المثنى صبح، وتابعوا موكب الجنازة إلى حيث يأخذ عمر حجّو استراحته الأخيرة على مقربةٍ من أسوار دمشق. ربما يحضر في الذاكرة هنا مشهدٌ لم تدوّنه الكاميرا في كواليس «بقعة ضوء» (2014 )، وكانت «الأخبار» شاهدةً عليه. يومها، أنهى حجّو الأب المتعب للتو تصوير مشاهده في إحدى لوحات العمل، ليودّعه باسم ياخور، والمخرج عامر فهد، بقبلة على الخد واليد، استقبلها الراحل بحنوٍ متواضع. هيئته وقتها كانت كما لو كان أعدّ العدّة للرحيل: قبعةٍ وشال يقيانه نسمات الربيع الغادرة.