في البدء كان الكلمة. ثم جاء الكنعانيّون إلى سوريا. ثم تحولت «امِسا» إلى حمص. ثم جاء الأمويون على خيول جامحة مع سيوف حادة. ثم جاء الصليبيون، الغزاة المستكبرون، وبعدهم صلاح الدين، فسكن قلب حبيبته دمشق. ثم قرون الظلام العثماني الطويلة. وبعدهم فرنسا التي خرجت كما أتت. ثم استقلت سوريا وانقلبت على نفسها مرات ومرات، وجاء البعث. ثم خرج السوريون بصدورهم العارية ضدّ البعث. ثم ظهرت «داعش» من كوكب التاريخ الوسيط. وما زال السوريون يموتون. وها نحن في «العام الخامس». في البدء كان الكلمة. وفي العام الخامس تبقى الكلمة. حريّة.


في 18 آذار 2011، بدأت أول تظاهرة في درعا. حطم المتظاهرون تماثيل وكرّت السبحة. صار في بيتنا ثورة. ساحات وأغنيات وأغلال تتكسر. أطفال يموتون تحت الشمس ورجال يخرجون من ذاكراتهم. نساء تغادرن حناجرهن السليبة إلى الطرقات. أسماء تعلو وأسماء تهبط. أمطرت في سوريا وجوهاً لشهداء. كبرت شجرة الموت وتغيّر شكل المطر. صارت تمطر براميل هنا وقذائف هناك. امتلأت المقابر. نزلت السماء إلى المدن واتشحت البلاد بعتمة النهايات. الأصوليّة امتدت إلى الرقاب؛ صليل السيوف ذبح الثورة. ولم يتوقف نباح الدبابات ضدّ الحريّة.
والسجال بين «الحريّة» و«المؤامرة» ليس سجالاً متكافئاً في أية حال. ومن يريد أن يعرف، لن يكفيه أن يأكل شاشة التلفزيون أو ينبش العظام في الصحيفة. فهذا لم يهدر محرّك طائرة في قلبه. الطائرات مناجل عملاقة تحصد الأطفال. يجب أن يحدث الأمر على مراحل، من يريد أن يعلم، يجب أن يرى الموت كيف يهطل، والروح كيف تسافر، والأبنية الاسمنتية الصلفة كيف تقع على قاطنيها بأيديهم الطرية وعيونهم المغلقة كستائر. كي يعرف من يريد أن يعرف، عليه أن يذهب في خياله إلى والد الطفل المصلوب بين الركام، أن يضع نفسه مكان الوالد، أي يرفع يديه مثله، وأن يبكي.
في التاسع من كانون الأول 2013، اقتحمت مجموعة مسلحة «مجهولة الهوية»، مكتب التنمية المحلية ومركز توثيق الانتهاكات في سوريا في مدينة دوما، واختطفت رزان زيتونة، والناشطة والمعتقلة السياسية السابقة سميرة الخليل، والناشط وائل حمادة، والمحامي ناظم حمادي. وما زال مصير المختطفين «مجهولاً» حتى الآن، أما مصير الثورة السوريّة، التي اختطفت ــ على مراحل ــ فما زال «مجهولاً» هو الآخر، ويتأرجح بين آلام السوريين وآمالهم. وإن كان من كلمة، إلى رزان ورفاقها، بعد كل شيء، فتبقى كلمة واحدة. حريّة.