المنطقة نحو تصعيد جديد، كمّاً ونوعاً. لم يعد الأمر مجرد تحليلات مبنية على مؤشرات متناثرة. وقائع الميدان، اليمني خصوصاً، وأحاديث الغرف المغلقة تتوالى داعمة لاستنتاج كهذا. الاتجاه نحو إعادة صياغة التحالفات في المنطقة بات جلياً. محور الاعتدال، كما يسمى، الذي انقسم فسطاطين خلال السنوات الماضية، يسعى لاستعادة لحمته.


تركيا وقطر و«الإخوان» من جهة، والسعودية والإمارات والأردن من الثانية. جهود كثيرة تبذل لتوحيده مجدداً. لا شك في أن الحضور المتزامن لرجب طيب أردوغان وعبد الفتاح السيسي الى السعودية يقع ضمن هذا السياق الذي يتجاوز البعد السياسي والتنسيق الإقليمي، ويعكس إعادة تحديد للأولويات والمخاطر حيث تحتل إيران رأس اللائحة.
على الأقل هذا ما تؤكده مصادر عربية قريبة من العرش السعودي. تتحدث عن جهود حثيثة تبذلها الرياض لتشكيل قوات إسلامية مهمتها الانتشار في بؤر التوتر، من ليبيا إلى سوريا والعراق واليمن. تقول إن الحكاية بدأت مع الملك الأردني عبدالله الثاني الذي يؤدي دوراً أساسياً في ترتيب الأوضاع الإقليمية، لإيجاد مخرج لعبد الفتاح السيسي يسمح له بإرسال قوات مصرية إلى مناطق النزاعات تحقيقاً لمقولته «مسافة السكة» ومبدأ «أمن الخليج من أمن مصر». وقتها جرى الحديث عن نيات لإرسال قوات مصرية إلى العراق لتحرير المناطق الغربية منه من سيطرة «داعش» وعن نشر وحدات منها على الحدود السعودية مع العراق. المشكلة التي ظهرت في ذلك الحين مرتبطة بمدى استعداد الجيش المصري لتحمّل أعباء من هذا النوع وحده، في الوقت الذي يواجه فيه أخطاراً أكثر إلحاحاً، سواء في سيناء أو من الجانب الليبي، فضلاً عن عبء الاستقرار الأمني في البر المصري. كانت فتوى عبدالله الثاني، بحسب المصادر نفسها، تشكيل قوات عربية من 20 إلى 40 ألف مقاتل، نواتها مصرية وأردنية وإماراتية وسعودية، سارع السيسي الى تبنّيها. اقتراح ووجه بمعارضة السعودية، رفضاً على ما يبدو لحقيقة أن قوات من هذا النوع ستكون القيادة والتحكم فيها بيد مصر. فكان أن تقدمت الرياض باقتراح بديل، يقوم على مبدأ تشكيل قوات إسلامية، تضم، إلى جانب المشاركة العربية، قوات من تركيا وباكستان. سبب اضافي دفع السعودية لمد اليد إلى هذين البلدين، ألا هو محاصرة إيران التي تتشارك معهما بحدود طويلة.
يأتي ذلك بالتزامن مع محاولات استيعاب «الإخوان» المسلمين في أطر وطنية. والمعنى تحويل هذا التنظيم إلى تشكيلات كيانية بلا مرشد وبلا تنظيم دولي للجماعة. أولى بوادر بدء تطبيق هذا التوجه ظهر في الأردن، مع تقديم جماعة منشقة عن «الإخوان» طلب ترخيص في هذا الإطار، الذي سبق وحدد سياقه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في تصريح لافت قبل أسابيع.
يبقى ما يحصل في اليمن، الذي يبدو أنه سيكون الساحة الأولى لتعبير المحور الجديد ــ القديم عن توجهاته. المصادر السالفة الذكر تتحدث عن قرار سعودي اتخذ لتقسيم هذا البلد. الفكرة، بالنسبة إلى الرياض، هي أن يكون اليمن «إما كله لنا أو فليقسم». اتجاه يترافق مع جهود سعودية حثيثة لتحويل الصراع هناك إلى اقتتال مذهبي شافعي ــ زيدي. الضغوط التي مورست على أحزاب اللقاء المشترك ــ التجمع اليمني للإصلاح (إخوان) والاشتراكي اليمني والوحدوي الناصري واتحاد القوى الشعبية ــ ورؤساؤها جميعهم شافعيون، لمقاطعة الحوار مع الحوثيين، ليس سوى أحد تجليات هذا التوجه الذي يرمي إلى «عزل الزيود». توزيع العطايا على الوفود اليمنية، الحزبية والعشائرية، التي تتدفق على الرياض، بطلب من هذه الأخيرة، معطى إضافي. تأكيد المصادر استقبال مطار عدن يومياً لأربع طائرات تنقل مقاتلين تكفيريين من كل أنحاء العالم، يكمل الصورة.
كل هذا يأتي في وقت باتت فيه النيات التركية التدخل عسكرياً في الشمال السوري والعراق واضحة للعيان. استعراض نقل رفاة سليمان شاه بالغ الدلالة. كذلك تأكيد أثيل النجيفي، حليف أنقرة، قرار الأخيرة المشاركة عسكرياً في معركة تحرير الموصل.
(الأخبار)