مجلس الوزراء يقيل شقير ويعتبر شبكة اتّصالات المقاومة اعتداءً... ويرفع الحدّ الأدنى إلى 500 ألف ليرة


تدخل البلاد مع ساعات صباح اليوم الثلاثاء مرحلة بالغة الخطورة في ضوء القرارات التي اتخذتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة فجر اليوم، والتي تبنّت للمرّة الأولى في تاريخ حكومات ما بعد اتفاق الطائف موقفاًَ غريباً لناحية اعتبار إجراءات المقاومة الأمنية بمثابة اعتداء على أمن الدولة، رافعة سقف المواجهة السياسية الداخلية بقرار إقالة قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير من منصبه، ما سيدفع قوى المعارضة ولا سيما حركة أمل وحزب الله الى خطوات مقابلة تضع البلاد أمام وضع عصيب. وقد لا يكون من المبالغة «قراءة» مقدّمات لفوضى تعمّ البلاد.
وبعد جلسة هي الأطول في تاريخ مجالس الوزراء استمرّت حتى الرابعة والنصف من فجر اليوم، أعلن وزير الإعلام غازي العريضي مجموعة قرارات تراوحت بين تصعيد سياسي هو الأخطر من نوعه بوجه قوى المعارضة انطلاقاً من العنوان الأمني المتصل بإجراءات المقاومة، وبين قرارات تتصل بالوضع المعيشي، تبدأ برفع الحد الأدنى للأجور الى 500 ألف ليرة لبنانية، ورفع الرسوم الجمركية عن مواد استهلاكية وتفريغ عدد من الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية وتقديمات تخص قطاع التعليم.
ورغم أن قرارات الحكومة لن تعدل في قرار الاتحاد العمالي العام تنظيم إضراب شامل غداً، إلا أن القرارات الأمنية ـــــ السياسية قد تحول الإضراب الى يوم احتجاجي من النوع الذي يقود الى تطورات تتجاوز ما هو مقدر، وخصوصاً أن نهار امس شهد تبادل رسائل بين قيادات من المعارضة ومرجعيات روحية وبين قوى الأكثرية والرئيس السنيورة، وتضمّنت تحذيراً من أي قرارات «متهوّرة» بشأن شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة أو بوضعية جهاز أمن المطار.
ورغم أن السنيورة كان قد عبّر نهاراً عن رغبته في تجاوز هذا اللغم، إلا أن النقاش الطويل الذي شهدته جلسة الحكومة عكس توجهاً وافق عليه السنيورة ويقول بفتح مواجهة شاملة مع المقاومة. وتردد أن النائب وليد جنبلاط كان قد هدّد بالانسحاب من الحكومة إذا هي لم تبادر الى إقالة العميد شقير واتخاذ إجراءات عملية ضد شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة، علماً بأن السؤال بات أقوى لناحية الغطاء الخارجي لقرارات من هذا النوع، والمسار الذي تريد الأكثرية المضي به، وخصوصاً أن الولايات المتحدة الاميركية كانت قد بشّرت اللبنانيين بصيف حار على لسان مساعد وزيرة خارجيتها ديفيد ولش قبل أسبوعين.
وكان نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان قد بعث أمس برسائل باسم الرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله الى الرئيس السنيورة حملت مضموناً يعكس وجهة نظر تقول بأن إقالة شقير ستعد خرقاً غير مسبوق، يدفع البلاد الى انفجار كبير. وقد تلمّس السنيورة أن «الموقف يمثل هذه المرة احتجاجاً شيعياً من النوع الذي يتطلب ردة فعل عنيفة تواجه فريق السلطة». وقالت مصادر متابعة إن القيادات الشيعية تتصرف كما لو أن إقالة العميد شقير «تعني أنه لن تكون هناك أي حصانة سياسية على أي موظف شيعي لا يلتزم خيارات الاكثرية السياسية، وهو أمر يمس مباشرة هيبة وحضور كل من حزب الله وحركة أمل».
وما يزيد من قرارات مجلس الوزراء غرابةً هو أنّ السنيورة كان قد أعرب لمتصلين به قبل الجلسة «عن رغبته في لملمة الملف مقترحاً إحالته الى القضاء»، علماً بأن الجهات القضائية المعنية أعربت عن استغرابها لمحاولة حشرها في ملف فارغ إلا من بعض الشهادات التي كان يمكن تركها للأجهزة الأمنية، كذلك شعور القضاء بأنه قد يكون أمام ملف متصل يتعلق بالتسريبات التي جرت لمراسلات تتخذ طابع السرية عادة.
أما بشأن ملف شبكة الاتصالات، فقد بدا واضحاً أن موقف حزب الله لا يشبه مواقفه من ملفات مشابهة في أوقات سابقة، وهو إضافة الى إقراره العلني بوجود شبكة اتصالات خاصة بعمل المقاومة عاد وأكد ليل امس على لسان نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن الشبكة هي جزء من سلاح المقاومة وأنه لا يمكن لأي جهة التعرض لها.
وذكرت مصادر مواكبة للاتصالات أن حزب الله أبلغ المعنيين بأن أي محاولة للتعرّض لهذه الشبكة سوف تواجه بمقاومة شرسة من الحزب الذي «سيتعامل مع المتعرضين للشبكة على أنهم من عملاء إسرائيل».
إلا أن الصورة السوداء التي تسود البلاد عكستها مداخلة للرئيس بري أمام قيادات في حركة أمل امس، أعرب فيها «عن تشاؤمه من الوضع الحالي حيث بات لبنان مفتوحاً على كل الاحتمالات ومن ضمنها التدويل». وتحدث بري عن دور لجهات أفشلت «مبادرة كانت تلوح في الأفق»، أثناء عرضه لموقف جنبلاط. ورفض بري الإفصاح عن هوية المعطلين، لكن مقربين منه أشاروا الى «موقف مؤسف لدولة عربية كبرى لها نفوذها على قوى الأكثرية الى جانب الولايات المتحدة».
الإضراب
في هذا الوقت، حاولت حكومة السنيورة احتواء الموقف من خلال تحركات واتصالات سياسية مع قوى وهيئات نقابية بقصد عدم شمول الإضراب كل القطاعات. وكانت قد أخّرت الى ما بعد منتصف الليل قرارها بشأن زيادة الأجور في القطاع الخاص بغية عدم استيلاد ردود فور ساخنة، ذلك أنّ زيادة الرواتب التي أعلن الوزير غازي العريضي عنها بعد الاجتماع الحكومي في السرايا لا تلبّي طموحات الاتحاد العمالي العام.
وتوقعت أوساط متابعة أن يشمل التحرك العمالي الاحتجاجي غداً كل المناطق اللبنانيّة بدون استثناء، في صورة تذكّر بالتحرّك الذي حصل في 23 كانون الثاني 2007.