بدأت كتابة الشعر في الرابعة عشرة من عمري متأثراً ــ أولاً ــ بالنصوص المدرسية التي كانت مقررة على التلاميذ في المدرستين الابتدائية والمتوسطة، ثم بتأثير السير الشعبية التي كان يتناثر فيها الشعر عامياً وفصيحاً. وكان تأثير سيرة عنترة بن شداد في هذا المجال أوضح، فقد تضمنت السيرة المطولة بأجزائها العديدة نماذج كثيرة من شعر هذا الفارس العربي.


تجمعت من تلك المحاولات، وفي تلك السن المبكرة مجموعة من القصائد جمعتها في ديوان ورقي صغير مكتوب بخط يدي، وعليه بعض رسومات باللونين الأخضر والأحمر، وأطلقت عليه عنواناً رومانسياً يتناسب مع موضوعاته المغمورة بالحزن والألم وهو «دموع في الظلام»، وبعثت به إلى واحد من الأساتذة الأجلاء والشعراء الثوّار وكان في السجن، فقرأه بقدر عالٍ من التشجيع وكتب له مقدمة شعرية أتذكر مطلع البيت الأول منها فقط: «هاتِ شعراً سفحته في الظلام». لم تكن الظروف مواتية للتفكير في الطبع، ولا مواتية أيضاً للاحتفاظ بتلك البدايات البريئة الساذجة فذهَبت مع ما ذهب من مكتبة أولية جمعتها بصعوبة متناهية بالنظر إلى تلك الظروف القاسيّة التي كانت البلاد تعيشها وتسحقها بطريقة تجعل أمر التفكير باقتناء كل كتاب يتمناه المرء ترفاً مبالغاً فيه.
مر بعد تلك التجربة الطفولية وقتٌ طويل تبعثر بين القراءة والرسم على أبواب البيوت والرسم على علب السجائر الفارغة، ونشرت منذ عام 1955، عدداً من القصائد باسم مستعار حيناً وباسمي الصريح حيناً آخر، وفتحت الثورة اليمنية (26 سبتمبر 1962) لي آفاقاً واسعة للإبداع، لكن السياسة كانت طاغية، فتراجع اهتمامي بالشعر ولم أجد حافزاً لجمع القصائد المنشورة في الصحف المحلية والمجلات العربية كمجلة «الآداب» البيروتية، ونشرها في ديوان إلّا في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم.

حاولت أن أُقصي ديواني عن
الأعمال الكاملة، ولكن إلحاح عدد من الأصدقاء جعلني أُبقي الديوان بعد أن حذفت منه قصائد عدة
كنت في مصر حينذاك وفي مرحلة الإعداد لرسالة الماجستير، وكانت نفسي تهفو إلى صنعاء بذكرياتها ومناخها الجميل، وبعراقة معمارها وبدورها في ترسيخ الثورة الوطنية، لذلك فقد اخترت للديوان وهو الأول عنواناً يتجاوب مع تلك الحالة النفسية «لابد من صنعاء»، وهي عبارة جاءت في مطلع بيت من الشعر منسوب إلى الإمام الشافعي الذي زار صنعاء للتعرف إلى أشهر أئمة الحديث في ذلك الزمن وهو الشيخ عبد الرزاق الصنعاني. قام بإخراج الديوان والاتفاق على طبعه في مدينة القاهرة الروائي والمبدع اليمنيّ الكبير محمد عبد الولي الذي كان قبل رحيله الفاجع بأعوام قليلة قد أسس مكتبة أدبية وداراً للنشر أطلق عليها اسم «الدار الحديثة للطباعة والنشر». وكنت أنا من كتب مقدمة له بعنوان «ورقة... إلى القارئ»، وجاء فيها: «من عشر سنوات ــ حين كتبت أقدم قصائد هذه المجموعة ــ كنت قد هجرت الشعر... الشعر كما قرأته وحاولته... والشعر كما حلمت ــ يوماً ــ بأن أكون من عمالقته الذين «ملأوا الدنيا وشغلوا الناس». ومنذ ذلك التاريخ، تواضعت أحلامي وأصبحت مجرد حنين الى الظفر بقدرة وشهرة شاعر شعبي في قرية من قرى العالم الواسع لأتمكن من تصوير الحزن الذي يحتل عيون أبناء قريتي الصغيرة التي يأكلها الجوع والخوف، ولكي أستطيع رسم سحب الرماد وهي تغطي وجوه إخوتي هناك ـــ حيث لا حنين ولا أشواق ـــ من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة. ومن عشر سنوات أيضاً أدركت ــ عزيزي القارئ ــ أن الشعر كالتصوير وكالموسيقى ليس ترفاً ذهنياً، ولا ثياباً بلاغية يرتديها الحكام والممدوحون بمناسبة وبلا مناسبة، وإنما هو صوت ضمير الشعب والشاعر، والصورة الداخلية لأعماق الانسان والفنان معاً. وعندما رأت «الدار الحديثة للطباعة والنشر» أن أُسمِعكَ صوت ضميري مسجلاً في ديوان لم أتردد، ولم أذهب إلى صديق أو ناقد من النقاد الكبار ــ ومعظمهم لحسن الحظ أصدقائي وأساتذتي ــ ليقدمني إليك، وآثرت أن أرحل إلى قلبك بدون دليل وبلا «مكبرات صوت».
لكن ومن ناحية إحساسي الآن تجاه «لا بد من صنعاء»، فإن هناك مسافة شاسعة تفصلني عن هذا الديوان، ولا أحمل نحوه إلا قدراً ضئيلاً من العطف والحنان تجاه مرحلة من حياتي في الكتابة، كانت الروح فيها تتلمس طريقها إلى هذا العالم المفعم بالأخيلة والمشاعر المتناقضة، والرغبة في الاقتراب من جسد الكائنات بحثاً عن ومضة جديدة أو معنى غريب.
لقد حاولت أن أُقصي هذا الديوان عن الأعمال الكاملة، ولكن إلحاح عدد من الأصدقاء الذين أشرفوا على إعداد الأعمال الكاملة، وارتباطهم نفسياً بقصائد ذلك الديوان عندما كانوا في بداية التفتح الأدبي والفني، جعلني أُبقي الديوان بعد أن حذفت منه قصائد عدة أعتقد أنها لا ترقى أو لا تستحق الظهور مرة أخرى في أعمال كاملة أو ناقصة، وكان هذا ضرورياً من النواحي كافة وليس أقلها الضرورات الفنيّة في أبسط درجاتها، لكن مع ذلك تبقى تلك القصائد التي ظهرت في الأعمال الكاملة كعلامة على نظرتي إلى العالم والكتابة في ذلك الوقت، كما أن تلك الباكورة كانت خطوة تراكمت وتصاعدت حتى وصلت، هيّ وأنا، إلى هذه المسافة من رحلتي مع الشعر والكتابة.
وقد يكون من الانصاف الاعتراف، بما أن المناسبة تخص الكلام عن ديوان حمل اسم صنعاء، الاعتراف بأن هذه المدينة قد سكنت شغاف القلب، وبقيت مصدر إيحاء وإدهاش، وكثيراً ما تستدعيني لأعيش معها لحظات توحّد وإنصات لصوت التاريخ وهو يمر بالأحياء القديمة ويوزع بعدل لمساته السحرية على الأبواب والنوافذ والشرفات، ولكي تستعيد مع كل صباح نضارتها وإشراقها وهي تستقبل يوماً جديداً من أيامها الفريدة. وكم كان يستوقفني في ساعات ما بعد العصر غناءٌ عذب يكسر السكون السائد، ويتسرب إلى الشارع عبر إحدى النوافذ نصف المفتوحة لينقل أحاديث الشوق والحنين مصحوبة بإيقاع العود الصنعاني رباعي الأوتار، ومن خلال صوت فنان بالغ العذوبة ملائكي اللحن. وفي لحظات كهذه ليس غريباً أن يتوقف بعض المارة لمتابعة ذلك الصوت الرقيق الشجي، أو أن يخرج الجيران إلى الشرفات ليستمتعوا بتلك اللحظات الفنية التي يمكن النظر إليها كإبداعات صنعانية خاصة لا تتكرر في غيرها من مدن الدنيا الواسعة.
ولا أخفي أنني كنت أخشى دائماً أن يكون افتتاني بصنعاء عائداً إلى الإعجاب الأول ذلك الذي تشكّل في ذهن الطفل ابن السادسة، عندما رآها لأول مرة مغمورة بالضوء وبانعكاسات ألوان نوافذها الزجاجية وما تتركه في فضائها الندي من تموجات ضوئية ساحرة. ولكن بمرور الأعوام، وجدت من يشاركني هذا الافتتان لا من أبنائها وإنما من أشقاء عرب وأصدقاء أجانب، فكما رأيتها بعيني طفولتي رائعةً فاتنة، فقد رآها كذلك بعيني كهولته الشاعر الكبير أدونيس. ورآها في الصورة ذاتها وبعيني شيخوخته الروائي البرتو مورافيا. كان أدونيس قد وصل إليها في الوقت الذي كنت وصلت فيه إليها وهي تتبرج ألق الظهيرة. كانت المدينة قد اتسعت وترهلت ولكن جزأها القديم كان ما يزال يحتفظ بشيء من ذلك الألق الباذخ والساحر الذي جعل عيني الشاعر الكبير تتسمران بإعجاب وافتتان. أما البرتو مورافيا، فقد سحره منظرها ــ كما تحدث في يومياته الصنعانية ــ وهي تخرج من نومها، وكان يحرص على أن يفتح نافذة غرفته في الفندق قبل أن يبدأ الشروق بوقتٍ كافٍ ليتملّى محاسنها وهي تستيقظ على مهلها مغسولة بضوء شفيف، وقطرات الندى تغسل أوراق الأشجار في الحديقة المجاورة. هكذا، وجدت من يشاركني شغفي بصنعاء هذا المكان التاريخي الذي قدمته إلى القارئ في «فاتحة كتاب صنعاء» بالمقطع الآتي:
«كانتِ امرأةً
هبطَتْ في ثيابِ الندى
ثم صارت
مدينةْ».