استدعى النائب العام المالي، علي ابراهيم، الشركة المسؤولة عن تنفيذ الطريق البحرية في ضبيه، للاستماع إلى أقوالها بشأن انهيار الطريق وتهديد السلامة العامة. صيانة هذا الطريق كانت قد لزّمت في عام 2012 بكلفة 1.6 مليار ليرة. جرى ذلك بواسطة استدراج العروض المحصور المخالف لقانون المحاسبة العمومية.

كشف انهيار إحدى النقاط الواقعة على المسلك الغربي من الطريق البحرية لأوتوستراد ضبيه ــ انطلياس، عن حجم الفساد في تلزيمات الأشغال العامة.

فالمشكلة في هذه الطريقة معروفة منذ أكثر من 4 سنوات، وقد لزّمت صيانتها للمتعهد حميد كيروز بمبلغ 1.6 مليار ليرة... برغم ذلك انهارت! استدعى ذلك من المدعي العام المالي علي ابراهيم وضع يده على الملف واستدعاء المعنيين للمثول أمامه والاستماع إلى أقوالهم، فهل يذهب القضاء أبعد من الاستماع؟ أم أن هذه القضية ستحفظ في أدراج الادعاء لسنوات طويلة كما حفظت سابقاتها؟
كان انهيار جزء من الأوتوستراد البحري بين ضبيه وبيروت، ماثلاً أمام أعين وزارة الأشغال العامة منذ أكثر من 4 سنوات. بحسب مصادر مطلعة على الملف، تبيّن للوزارة بوصفها مسؤولة عن صيانة الطرقات في لبنان، أن هناك نقطة ضعف على هذا الأوتوستراد. وقد لزّمت وزارة الأشغال العامة صيانة هذا الطريق في 17 شباط 2012 بقيمة 1.6 مليار ليرة بطريقة استدراج العروض المحصور.

تقاذف المسؤوليات
بين مجلس الإنماء ووزارة الاشغال العامة حول الانهيار
يومها كانت الطريقة المعتمدة في استدراجات العروض المحصورة تقضي بأن يستدعي وزير الأشغال العامة (كان في وقتها غازي العريضي وزيراً للأشغال)، خمسة متعهدين يعرض عليهم مشروع التلزيم ودراسته... وكان التلزيم يجري وفق نمط يجمع مصالح السياسيين في المناطق مع مصالح المتعهدين المحسوبين عليهم، وكان وزير الأشغال هو الوصي الوحيد على إدارة هذه الآلية، بما يؤدي إلى ارضاء الجميع، وإلى استمرار هذا النمط بكل نتائجه. وبحسب المطلعين، فإن غالبية مبرّرات وزارة الأشغال التي قدّمتها أمام ديوان المحاسبة لتشريع صفقات استدراج العروض المحصور متصلة بالسلامة العامة، وهذا يفترض توجيه أسئلة عن مفهوم السلامة العامة لدى وزارة الأشغال!
على أي حال، تقول مصادر مطلعة على الملف، إن الشركات التي شاركت في استدراج العروض المحصور بصيانة طريق ضبيه ــ انطلياس هي خمس شركات: العالم العربي، الشرق للمعدات، مكتب كيروز، مؤسسة رشيد الخازن، جلخ وأولاده. وقد رسا التلزيم على مكتب كيروز بقيمة 1.6 مليار ليرة.
يقال أن كيروز كان لديه تلزيمات من الباطن مع شركة الجهاد المملوكة من جهاد العرب، الذي يحصد حاليا الحصة الاكبر من المقاولات في الجمهورية اللبنانية، وأن الاثنين تشاركا في هذا التلزيم، لكن مصادر وزارة الأشغال تحدثّت عن وجود مشروعي صيانة منفصلين بين ضبيه وانطلياس!
غير أن مصادر مطلعة على الملف، أوضحت أنه بصرف النظر عن هوية المتعهد الفعلي، فإن المسؤولية الأولى تقع على وزارة الأشغال بوصفها الجهة المسؤولة عن صيانة الطرقات في لبنان. فالانهيارات الصغيرة التي حصلت على طريق ضبيه كانت مثيرة للقلق على مدى السنوات الأربع الماضية، وخصوصا بعد تلزيم أعمال الصيانة، إذ استمرت الانهيارات الصغيرة وتآكل حائط الدعم فيما كان يفترض أن تعالج هذه المشكلة بالطريقة الصحيحة، أي من خلال دراسة واضحة ومهنية وجدية تمنع الانهيار.
عملياً، ما حصل وفق المتابعين، أن الدراسة التي قدمتها وزارة الأشغال كانت تتضمن إنشاءات دعم هزيلة بما يشير إلى ان الانهيار سيحصل عاجلا أم آجلا، وبما أن الرقابة على تنفيذ الالتزامات شبه غائبة، فإن المتعهدين غالباً ما يلجأون إلى «تشحيل» عناصر الكلفة لزيادة أرباحهم.
بهذه الخلفية، جاءت العاصفة «يوهان» لتعرّي كل هذا الوضع، لكن «يوهان» كشفت أيضاً عن تقاذف المسؤوليات المعتاد بين مجلس الإنماء والإعمار، الذي لزّم هذه الطريق في عام 1995، ووزارة الأشغال العامة. فمجلس الإنماء يدّعي أن تصميم تلك المنطقة، الذي أنجزته شركة شاعر ومشاركوه، كان يفترض إنشاء حماية بحرية لهذا الأوتوستراد، وأن الصيانة ليست وظيفته، وخصوصاً أنه مرّت أكثر من 20 سنة على إنجاز المشروع، وأن التصدعات والانهيارات الصغيرة لم تظهر قبل بضع سنوات، وكان يفترض معالجتها بطريقة علمية، لا بواسطة دراسات «سريعة وغبّ الطلب ولا تعالج مشاكل من النوع الذي كانت تمرّ فيه هذه النقطة الضعيفة على الاوتوستراد».
أما وزارة الأشغال، فهي تزعم أن تنفيذ المشروع، أصلاً، من قبل مجلس الإنماء والإعمار لم يكن صحيحاً، ونتجت منه هذه المشكلة التي نراها اليوم، تقول مصادر الوزارة ان «دراسة مجلس الإنماء والإعمار فيها أخطاء من الأساس، وان تصحيح هذا الخطأ ليس مشكلة المتعهدين»!
وليس بعيداً عن هذا السجال، ومن دون أي تدقيق مهني وجدّي في أسباب الإنهيار وتحديد المسؤوليات، تبيّن أن وزارة الأشغال العامة لزّمت أعمال الصيانة للمتعهد جهاد العرب، الذي أطلق الأعمال سريعاً. هذه المرّة لدى وزارة الأشغال ذريعة استخدمتها لتمرير المشروع، وهي أن هناك ضرورة قصوى وسلامة عامة على المحكّ... لكن هل تراعي دراسة وزارة الأشغال السلامة العامة؟ هل استلحقت فرق وزارة الأشغال المعنية إجراء دراسة للصيانة تستدرك المخاطر على السلامة العامة على هذه الطريق؟
على هذا الأساس، يشكّك بعض المتابعين بأن استدعاء الشركة المنفذة للصيانة لا يرمي سوى إلى حماية وزير الأشغال العامة غازي زعيتر من ممارسات سلفه في الوزارة، وذلك رغم أن نمط إدارة وزارة الأشغال العامة لم يتغيّر بين الأول والثاني. فالمليارات التي دفعتها وزارة الأشغال العامة خلال السنوات الماضية بواسطة استدراج العروض المحصور، استكملتها خلال الوزارة الحالية، حيث جرى تلزيم أشغال وصيانة طرقات بطريقة التجزئة وبواسطة الاستدراجات المحصورة بناء على دراسات «سريعة» و«غبّ الطلب».