إنها الثانية بعد الظهر. المكان: أمام مجمع «سيّد الشهداء» في الرويس. لا تزال هناك ساعة على الموعد. عشرات الشبّان أمام المجمع، يُصبحون بالمئات، ثم بالآلاف... يُريدون «رؤية السيّد». الحواجز الأمنية كثيرة، إجراءات التفتيش عند المسارب المؤدية إلى المجمع مشدّدة، وعيون عند الأرصفة تُمشّط أجساد العابرين. لا أحد يُراهن على خجل الانتحاري، المفترض، من دماء شهداء قتلهم «عدو الأمّة».


إنها الثالثة. فُتحت الأبواب، فتدفق المنتظرون، نساء ورجالا، كبارا وصغارا. لم يعد مستغرباً في تلك البيئة مجيء والد يحمل طفله الصغير. تُجهد تلك البيئة نفسها في بعث رسائل التحدّي في كل الاتجاهات. داخل المجمع صور «القادة الشهداء» (الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي وعماد مغنية). فوق المنبر، لجهة اليمين، صور لشهداء القنيطرة السبعة: محمد عيسى، جهاد مغنية، عباس حجازي، محمد علي أبو الحسن، غازي ضاوي وعلي إبراهيم، وإلى جانبهم صورة للشهيد الإيراني، العميد في الحرس الثوري، محمد علي الله دادي. كان قرار حزب الله، أمس، أن يكتب فوق صور هؤلاء الشهداء: «على طريق القدس». على وقع صوت الأناشيد، كان أحد الشبّان يلوّح بالعلم الفلسطيني، وإلى جانبه آخر يلوّح بعلم حزب الله. صديقان هما، الأول فلسطيني والثاني لبناني. الأوّل يعيش في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين. المخيّم التاريخي الذي لا يفصله عن المجمع سوى شوارع قليلة. ولد وعاش في الضاحية، ويعرف حزب الله جيدا، ويصرّ على تكرار: «أنا هون بين أهلي». المقاومة هي أهله، ويستفزه أن يظن البعض غير ذلك، أو «حتى مجرّد طرح أسئلة كهذه». سيكون الشاب بعد دقائق، واقفاً على الكرسي، هاتفاً بأعلى صوته: «يا الله يا الله... احفظ لنا نصر الله».
يطل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. هذه المرّة عبر الشاشة. يشتعل المجمع، تتداخل الأصوات، ترتفع كل الأعلام. تظهر رايات الحزب والعلم اللبناني، إضافة إلى أعلام فلسطينية. لا أحد يجيد مثل السيّد ضخ «الأدرينالين» في عروق المحتشدين. أكثر من 10 أيام مرّت والناس ينتظرون هذه اللحظة، بلهفة، كما لم يفعلوا منذ مدّة طويلة. أيام من حبس الأنفاس، بعد عملية الاغتيال في القنيطرة، ثم بعد الرد عليها في مزارع شبعا. لم ينس السيد أن يوجه «التحية التاريخية»: «يا أشرف الناس وأطهر الناس وأكرم الناس». ليشتعل المجمع. وهو اشتعل مرات كثيرة، أبرزها عندما خنق السيد، والد الشهيد، عبرته، فانسابت عبرات حاضرين كثر.
في المربع المخصص للصحافيين، كان أحد الصحافيين الأجانب يلتفت إلى الخلف لتأمّل وجوه الناس بعد كل «هبّة» هتاف. إلى جانبه صحافي لبناني، يهمس في أذنه ترجمة لكلام السيد ولفحوى الهتافات. في البداية بدا قلقاً، لكنه، مع تكرار «الهبّات» وتصاعدها، التي تأتي منسجمة مع ارتفاع نبرة السيد، اعتاد الأمر، حتى كاد، في إحدى المرّات، بعدما انتقلت اليه عدوى الأدرينالين، أن يقف ويهتف.
بعد نحو ساعة ونصف ساعة، من كلام السيّد، كان الناس قد ارتاحوا و»بردت أعصابهم». وضع «القائد» قواعد جديدة للاشتباك مع العدو. طمأن «أهل المقاومة» إلى أن مقاومتهم بخير، وقويّة، وحاضرة لكل الخيارات ومستعدة لصنع نصر جديد. كل الوجوه كانت تبتسم عند الخروج. الكل سعيد، مملوء بالنشوة، محشو بفائض من عزّة النفس، بعدما دار الزمان على إسرائيل وأصبحت «تحتفظ بحق الرد». انتهى مهرجان «شهداء القنيطرة». أنهاه السيّد بالعبارة الشهيرة، التي كان حزب الله يُذيل بها بياناته منذ ثمانينات القرن الماضي: «ستبقى المقاومة هي الرد وقوافل الشهداء تصنع النصر».