كما هي الحال عند كل استحقاق، عرّت حالة الطقس العاصف «الدولة» كما خلقها النظام الطائفي. لا جديد في ذلك، والمقيمون في لبنان تكيّفوا طويلاً مع نمط من «إدارة الشأن العام» يعفي من أي محاسبة على الإمعان في ترك الناس يواجهون مخاطر وأكلاف ثقيلة كان يمكن تفاديها غالباً. ستمر العاصفة كما مرت استحقاقات أخرى أكثر أهمية أو أقل. ولكن، في هذا الوقت، هناك ضحايا، هم ضعفاء وفقراء ومهمشون، مقيمون ولاجئون، يلملمون موتى البرد ومرضاه، أطفالاً ورضّعاً، وخسائر الزرع والمواشي والطيور والبيوت والخيم المتهاوية. هؤلاء لا سقف فوقهم من أي نوع. لا ليست الطبيعة (أو القدر) هي وحدها المسؤولة عن موت أربعة من البشر النازحين من سوريا الى خيم في الجرود والجبال. الحوادث تحصل بالتأكيد، إلا أن البشر في لبنان يموتون أيضاً لأنهم متروكون في العراء، مجرد أرقام تُضاف الى إحصاءات المأساة.

أربعة أشخاص قضوا، أمس، في جرود شبعا وجبل الشيخ، بينهم طفل عمره خمس سنوات، وقتل البرد رضيعة في عرسال عمرها سبعة أيام. لم يكن الوضع المأساوي الذي استفاق عليه المقيمون في الجرود واللاجئون السوريون مفاجئاً لأحد. الجميع كان يدرك هشاشة الخيم والمساكن التي تؤويهم ويعي النقص الحاد في أدويتهم وبطانياتهم ووقود تدفئتهم. تُرك هؤلاء يستقبلون موتهم البارد. لم تستطع غالبية خيم النازحين في الجبال احتمال ثقل الثلوج التي تراكمت على أسطحها، فانهارت على رؤوس قاطنيها.
يقول عضو هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية في عرسال طه صديق إن الوضع مأساوي هناك. يقول الطبيب المسؤول في الهيئة الطبية في عرسال قاسم الزين إن «أكثر من عشرين طفلاً أصيبوا بالتهاب حاد في الرئة (...) جميعهم رضّع تتراوح أعمارهم بين يوم وتسعة أشهر»، لافتاً الى «أن المستشفى يعاني نقصاً في الأدوية وفي الأمكنة». هناك الكثير من الحالات لم تستطع الوصول الى المراكز الطبية في عرسال، وفق ما يؤكد المعنيون، بسبب إقفال الطرق وعدم وجود أي آليات مساعدة في هذا المجال. كان لافتاً أن تطلب هيئة الإغاثة من البلدية تقديم بعض الدعم البسيط المتمثل في تقديم جرافات أو سيارات رباعية الدفع لمساعدة اللاجئين، ولكنها لم تلق جواباً، حسب ما يؤكد صديق. صعوبة التنقل حالت دون تمكين الطواقم الطبية من الكشف على حالات الأطفال والنازحين في المناطق الجردية. المعلومات تشير الى وجود أكثر من ألف عائلة تسكن في خيم بالية في الجرود وتفتقر إلى الخدمات الإغاثية والطبية.

الطقس العاصف خلّف موتى ومرضى ومشردين من خيمهم وبيوتهم المتهالكة


خسائر في البساتين وقرى محاصرة
بالثلوج

الطقس العاصف خلّف موتى ومرضى ومشردين من خيمهم وبيوتهم الغارقة في الثلوج والامطار، كما خلف خسائر كبيرة في البساتين والحقول، لا سيما في عكار وبساتين الحمضيات والموز على الساحل، وفي الممتلكات العامّة والخاصة والبنى التحتية، ولا سيما الكهرباء والاتصالات والانترنت التي انقطعت عن مناطق واسعة. كذلك خلّف قرى وبلدات معزولة ومحاصرة بالثلوج التي تساقطت على ارتفاعات منخفضة (ابتداءً من 500 متر في بعض المناطق). وعلق الكثير من العابرين في سياراتهم بسبب الثلوج أو بسبب طوفان الطرقات، فيما ترك أولياء الطلاب في حالة ضياع، لا سيما في المدن والمناطق الساحلية ولدى أسر الطبقة العاملة، إذ تبلغوا في وقت متأخر قرار إقفال جميع المدارس والثانويات ومعظم دور الحضانة وبعض الجامعات. هذا الإجراء المتكرر مع كل عاصفة يعبّر خير تعبير عن مستوى عجز الادارة، فقد بات إقفال المدارس هو الرد «الطبيعي» على المخاطر الناتجة من ضعف منظومة «إدارة الكوارث»، أو بالاحرى تغييبها.
ليلة الأربعاء كانت «مرعبة»، بحسب الأهالي، بسبب الرياح الهوجاء التي أدت الى سقوط العديد من الأشجار والخيم الزراعية وواجهات المحال التجارية، إضافة الى اللافتات وأعمدة الاعلانات المعلّقة على جوانب الطرقات بصورة فوضوية وخطيرة على السلامة العامّة. وارتفعت أصوات المزارعين الذين أعلنوا أن «العاصفة سببت كارثة على الموسم الزراعي»، وأشار عدد من المزارعين في منطقتي مرجعيون وحاصبيا الى أن «الرياح القوية تسببت بأضرار مادية في المزروعات وأشجار الزيتون والصنوبر وفي بساتين الحمضيات في حوض الحاصباني. وفي بنت جبيل تهافت الأهالي على المحال التجارية ومحطات الوقود، ما أدى الى انقطاع الخبز والمازوت في المنطقة. وأصيبت البيوت الزراعية البلاستيكية في منطقة سهل عكار بأضرار كبيرة، بفعل الرياح القوية والأمطار الغزيرة، والصواعق التي ضربت أيضاً محولات كهربائية في منطقة القيطع وقطعت التيار الكهربائي عن عدد كبير من البلدات والقرى. وفي المنية أصابت البيوت الزراعية البلاستيكية أضرار كبيرة جراء العاصفة، وفي بلدة الروضة في ساحل الضنية نفق عدد كبير من الأغنام والماعز بفعل تدني درجة الحرارة. كذلك نفق ما يزيد على 15000 طير دجاج في مزرعتين في بلدة عمار البيكات. العاصفة «زينة» عزلت قرى وبلدات عدّة في الجبال وكذلك في البقاع، بدءاً من النبي شيت وحام ومعربون ونحلة ويونين وعرسال، في السلسلة الشرقية، وصولاً إلى قرى عيناتا واليمونة وقرى بيت مشيك وطاريا ومزارع بيت صليبي في السلسلة الغربية.
وتعرّض المرفأ الأثري في جبيل لأضرار بالغة، وأجرى النائب سيمون أبي رميا اتصالات مع كل من وزارة الأشغال ووزارة الثقافة والهيئة العليا للإغاثة، لإعادة تأهيل المرفأ والتعويض عن الأضرار الناتجة من العاصفة. وأعلنت وزارة الثقافة أنها كلفت فريقاً يضم مهندسين وأثريين بالكشف الفوري على موقع المرفأ الأثري لمدينة جبيل، وقد وضعوا تقريراً أكدوا فيه أنه لم يتبين أي انهيار في المعالم الأثرية العائدة للمرفأ المذكور».
(الاخبار)



كهرباء على درجة 10 تحت الصفر

بالاستناد الى مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، فإن معدل هطل الأمطار والثلوج سيبدأ بالانخفاض ابتداءً من صباح اليوم، لكن الصقيع ستزداد حدّته، حتى يغطي يوم الجمعة ارتفاع 500 متر عن سطح البحر. كذلك فإنه ابتداءً من مساء الجمعة ويوم السبت ستتجدد العاصفة عبر السقوط الكثيف للأمطار والثلوج، مع بقاء حدّة الصقيع نفسها، ويتوقع أن تضرب موجة الصقيع عكار والمناطق الساحلية، مع ما يرافق ذلك من كارثة على صعيد المزروعات والبيوت البلاستيكية. من هنا، نصح ميشال افرام، رئيس مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، المزارعين بتدفئة هذه البيوت لحماية المزروعات وتدعيمها لتجنّب وقوعها.
في المناطق الجبلية والبقاعية ستصل درجة الحرارة الى -10 تحت الصفر، وستلامس الصفر على ارتفاع 500 متر! ولن تهدأ العاصفة فعلياً قبل صبيحة يوم الاثنين.
وتوقعت مصلحة الارصاد الجوية في إدارة الطيران المدني أن يكون الطقس اليوم غائماً جزئياً مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة نسبياً ودرجات حرارة متدنية تؤدي الى موجات من الصقيع، وتتساقط الثلوج على ارتفاع 400 متر، وما دون ذلك في مناطق الشمال، مع حدوث انفراجات واسعة خلال النهار، ويحذر من تكوّن الجليد على ارتفاع 400 متر.
العاصفة تسببت بأعطال كبيرة في شبكة الكهرباء، ما أدى الى انقطاعها عن عدد من المناطق اللبنانية، وأعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أنها تعمل «بإمكانياتها القصوى» لتصليح الأعطال التي طاولت الخطوط الهوائية ذات التوتر العالي والمتوسط والمنخفض على السواء.
قالت المؤسسة في بيانها إن صاعقة تعرضت لها أول أمس محطة الجمهور الرئيسية أدت إلى انفصال مجموعات الإنتاج في معامل الزهراني والذوق والجية عن الشبكة، وإن فرقها الفنية تمكنت من إعادة ربط بعض هذه المجموعات بالشبكة، وتواصل العمل لإعادة ربط الباقية منها تدريجياً. وتعرض العديد من خطوط التوتر العالي للصواعق، كذلك توقفت الباخرتان التركيتان «فاطمة غول» و»أورهان بيه» عن إنتاج الطاقة الكهربائية بفعل اشتداد الرياح وارتفاع الأمواج لأكثر من ثمانية أمتار، فتم فصل الأخيرتين عن الشبكة العامة لحماية خطوط التوتر العالي والمنشآت، ما أدى الى انخفاض القدرة الإنتاجية بحوالى 300 ميغاوات، وبالتالي انخفاض التغذية بالتيار الكهربائي في مختلف المناطق اللبنانية.