كأن شيئاً لم يكن. في أقل من سنة، انتهت تداعيات الحرب الروسية ــ الجورجية وتوتر علاقة موسكو مع كل من واشنطن وحلف شمالي الأطلسي، لتبدأ صفحة جديدة هي أشبه بصفقة أميركية ــ روسية. صفقة يبدو أنها تتبلور عملياً بعد دعوة الحلف روسيا إلى المشاركة في قمّة لشبونة


ربى أبو عمّو
أنْ تُدعى روسيا إلى المشاركة في قمّة حلف شمالي الأطلسي التي تنعقد في لشبونة اليوم، يعني إفساح الطريق أمام الانطلاقة الأكبر في العلاقات الروسية ـــــ الغربية، التي تعدّ استكمالاً لإعادة تشغيل مفتاح العلاقات بين واشنطن وموسكو، بعد تسلّم باراك أوباما الرئاسة.
ولا شكّ في أن موافقة روسيا على المشاركة، تنسجم مع الرغبة المشتركة في إغلاق كاملٍ لتداعيات حقبة الحرب الباردة، والتعاطي مع حلف شمالي الأطلسي، ندّ حلف وارسو السابق، من باب المصالح المشتركة، أو البراغماتية.
هذا التحوّل من علاقة نزاع بين روسيا وحلف شمالي الأطلسي، إلى أخرى تمهّد لتحالف، ليس إغواءَ شيطان، بل هو قفزة استراتيجية في العقل الروسي والغربي، تبلور من خلال صفقة روسية ـــــ أميركية غير معلنة، تجلّت أخيراً في مواقف عديدة تنتهجها روسيا، منها موقفها حيال إيران.
صفقة وضعت مواضيع الخلاف على ميزانٍ وازَن بين مصالح الطرفين. فلم يكن إعلان روسيا تعليق بيع إيران صواريخ «أس 300» خدمة مجانية لواشنطن، بقدر ما كان رداً على المقابل الذي يبدو أن روسيا حصلت عليه، أهمّه تغيير اتجاه خطة الدرع الصاروخية والسعي إلى نشرها في تركيا، بعدما كانت موجهة ضد روسيا، إضافة إلى تسليم غربي بتدخلات روسيا في عدد من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، الأمر الذي تجلى باسترجاع النفوذ الروسي على عدد من هذه الدول، من دون تدخل أو انتقادات أميركية أو غربية، ومن دون ثورات ملونة.
كانت دعوة روسيا إلى المشاركة في قمّة لشبونة تلبية للتغير الذي طرأ على العقل الروسي والغربي، وحاجة كليهما إلى الآخر، حتى لم يكن مستغرباً كلام الأمين العام للحلف أندرس فوغ راسموسن، الذي بدا شديد الحرص على التعاون مع روسيا، «أنا مقتنع بأن روسيا تقاسمنا وجهات النظر في أن الوقت قد حان لوقف القلق المتبادل والعمل المشترك، وسنفعل ذلك. آمل أن نبدأ بالتعاون في مجال الدفاع الصاروخي، وهذا سيكون قراراً واعداً يساعد في بناء الثقة، وسيؤثر إيجاباً على الأمن الأوروبي. سنتفق بشأن تقويم تهديدات القرن الـ21، وستكون هذه المرة الأولى التي سنتوصل فيها إلى تقويم مشترك. وسنعزز تعاوننا بشأن أفغانستان ومكافحة الإرهاب والقرصنة».
تأتي هذه التطورات في العلاقات الروسية ـــــ الأميركية والروسية ـــــ الأطلسية بعد مرحلة من الجمود التام على خلفية حرب جورجيا في آب عام 2008، حين اصطفّت الولايات المتحدة وحلفاؤها لتندّد بروسيا وتدينها. بقي الوضع على حاله حتى جاءت الانطلاقة الجديدة في العلاقة بين موسكو وواشنطن، التي دشّنها الثنائي الشاب مدفيديف ـــــ أوباما، وتجلّت في الاتفاق على «ستارت 2» في نيسان الماضي.
تبعت «ستارت2» خطوات أخرى في سياق علاقة روسيا مع أميركا والغرب، شملت تأييد الأولى فرض عقوبات جديدة على إيران، ومشاركة الغرب قلقه من طموحات طهران النووية. مواقف عدّها البعض تنازلاً روسياً للغرب، فيما رآها البعض الآخر مجرد «مساومة»، لكنها في كل الأحوال تطرح تساؤلاً عمّا إذا كان ما يجري مقدمات لتغيير في الاستراتيجية الروسية حيال طهران، أو مجرد توسيع روسي لهامش المناورة الذي كان هناك توافق ضمني عليه مع الجمهورية الإسلامية.
ورغم الخطاب الحاد الذي اعتمده الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على خلفية تعليق صفقة الصواريخ، بدا ديمتري مدفيديف هادئاً خلال لقائه نظيره الإيراني في باكو أمس، وأكد أهمية الطابع «السلمي» للبرنامج النووي الإيراني.
ملفات عديدة تناقشها قمّة لشبونة، منها الاستراتيجية الجديدة لحلف شمالي الأطلسي، الوضع في أفغانستان، وتحديداً توسيع نطاق نقل شحنات الحلف غير العسكرية عبر الأراضي الروسية، إضافة إلى الأمن. وانطلاقاً من هذه الملفات، تدرك روسيا حاجة حلف الأطلسي إليها، لناحية توفير طرق إمدادات بديلة. أما في الملف الأمني، فلا شكّ في أن تغيير خطة نشر الدرع الصاروخية هو أحد الانتصارات الروسية، وخصوصاً أن راسموسن لم يحصر الخطر الذي يهدد الحلف في إيران وحدها، بل أعلن وجود نحو 30 دولة تهدّد دول الأطلسي، منها إيران.
وفي السياق، يقول نائب مدير برنامج روسيا وأورواسيا في معهد «كارنيغي» للسلام الدولي، ماثيو روجانسكي، «يمكن روسيا أن تقدم رادارات في آذربيجان وآسيا الوسطى لديها القدرة على إصدار التحذيرات الأولية، لا يمكن الغرب الحصول عليها من دون روسيا».
من جهتها، تبحث روسيا عن إيجاد مساحة لها في الغرب، هي التي كان وقع الأزمة الاقتصادية شديداً عليها. ولا شك في أنها ترغب في تغيير صورتها المعادية للغرب بحثاً عن مستثمرين أجانب؛ فمن جهة تعهد باراك أوباما بالعمل على تسريع انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، ومن جهة ثانية يعدّ مشروع مدفيديف الأضخم إنشاء «سيليكون فالي» (مركز لتطوير التكنولوجيات الجديدة في روسيا وتسويقها) خارج موسكو، مثالاً حيّاً على حاجته إلى جذب شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية، يضاف إلى ذلك حرصها على التحالف مع «قوة» قادرة على مواجهة تنامي قوة الصين!
يقول روجانسكي «لم يعد حلف شمالي الأطلسي يمثّل تهديداً لروسيا، والعكس صحيح». معادلة جديدة لا بد أنها تدخل في سياق مفهوم الاستراتيجية الجديدة للأطلسي، التي سيتخللها توجّه جديد للتعامل مع روسيا.
إذا وضعنا جانباً الحاجة المشتركة لكل من روسيا وحلف شمالي الأطاسي أحدهما إلى الآخر، يمكن ملاحظة أن موسكو تخالف تاريخها. القيصر الروسي الإسكندر الثالث قال إن لدى روسيا صديقين: جيشها وأسطولها البحري. بمعنى آخر، لا تحتاج موسكو إلى شراكة مع الغرب. إلا أن ما عرفه القيصر وقتها تآكل مع الزمن، ولم يبق لمدفيديف في القرن الواحد والعشرين إلا البراغماتية.