في عام 1774، نشر الكاتب الألماني فون غوث، روايته «أحزان فيرتر الشّاب». البطل في هذه القصّة، فيرتر، هو شابٌّ يافعٌ غارقٌ في أحزانه بسبب حبّه لشابّة لا تُبادله المشاعر نفسها. تنتهي القصّة بإطلاق فيرتر النّار على نفسه وموته بعد أن رفضته الفتاة الّتي يُحبّها. بعد أن نُشرت القصّة، لوحظ ارتفاع في عدد الشّبّان الّذين أقدموا على الانتحار مُتّبعين الأسلوب نفسه الّذي اتّبعه فيرتر في الرّواية، ما دفع بعض القيّمين آنذاك إلى منع بيع ونشر هذا الكتاب في بعض المكتبات والمناطق.


تبعاً لتأثير هذه الرّواية على الشّبّان آنذاك، صاغ عالم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا في ثمانينيّات القرن الماضي دايفيد فيليبس، مُصطلح «تأثير فيرتر» الّذي يشمل ما يُسمّى بظاهرة الانتحار بالتّقليد أو عدوى الانتحار. أمضى فيليبس جزءاً كبيراً من مساره الأكاديميّ في إجراء الأبحاث حول تأثير حالات الانتحار المنشورة إعلاميّاً على نسب الانتحار اللّاحقة لها.
في إحدى دراساته، قام فيليبس بمتابعة نسب الانتحار شهريّاً على مدى عددٍ من السّنوات، ورصد خلال هذه الفترة تأثير نشر الصّحف تقارير عن حالات انتحار في الصّفحات الأولى. أظهرت النّتائج ارتباطاً مُباشراً بين نشر تقارير عن حوادث وضحايا الانتحار على الصّفحات الأولى للجرائد المحلّيّة، وبين ارتفاعٍ مؤقّتٍ لنسب الانتحار في المنطقة الّتي تُغطّيها هذه الجريدة يستمرّ لحوالى شهر تقريباً، رغم عدم رصد ارتفاع يُذكر في الأيّام أو الأسابيع الّتي تسبق الخبر.

إضافة إلى ذلك، وثّق فيليبس الارتباط المُباشر بين مدى الانتشار الإعلامي لقصّة انتحارٍ مُعيّنة وبين أعداد الّذين يُقدمون على الانتحار في الأسابيع اللّاحقة. لذلك كُلّما كانت التّغطية والتّفاعل الإعلاميّ لحالة انتحار معيّنة أكثر كثافة وأوسع انتشاراً، وخصوصاً إذا ما كان الضّحيّة من المشاهير وإذا ما تمّت تغطية تفاصيل الانتحار وأدواته، ازدادت حالات الانتحار في الأسابيع اللّاحقة للخبر. مثلاً، بعد موت الممثّلة الأميركيّة مارلين مونرو، بسبب جرعة زائدة من المُخدّرات وتداول الإعلام الأميركي الخبر بشكلٍ مكثّف، ارتفع مُعدّل حالات الانتحار في الولايات المتّحدة مُؤقّتاً بنسبة 12% مُباشرةً بعد وفاة مونرو وتغطية الإعلام لتفاصيل الخبر.
يُمكن تبسيط ما استخلصه فيليبس في دراساته الّتي امتدّت لسنوات وتنوّعت في مُقارباتها بالتّالي: الانتحار يُؤدّي إلى الانتحار، وكُلّما ازداد التّداول به والغوص في تفاصيله إعلاميّاً، ازدادت هذه العدوى.

نتائج هذه الأبحاث أحدثت تحوّلاً نموذجيّاً في مُقاربة حوادث الانتحار في الإعلام والصّحافة، ما دفع منظّمة الصّحّة العالميّة منذ مطلع هذا القرن إلى إصدار وتحديث توجيهات أساسيّة للإعلام والصّحافة للتّعامل مع هذه الأخبار.

أوّل وأهم توصية كانت أن تقتصر الوسائل الإعلاميّة على أقلّ قدر ممكن من تغطية هذا النّوع من الأخبار، وأن لا تكون هذه التّغطية في الصّفحات الأولى أو مُقدّمات النّشرات، وأن لا تكون مُحاطة بالكثير من الإثارة والمُتابعة، خصوصاً إن كانت الشّخصيّة من المشاهير والمُؤثّرين في المجتمع المحلّي. توصي منظّمة الصّحّة أيضاً بعدم نشر تفاصيل تتابع الأحداث وأسلوب وأدوات الانتحار، وعدم نشر أيّ صور للحادثة أو نشر «رسائل الانتحار» إن وُجدت.

إضافةً إلى ذلك، وضعت المُنظّمة مجموعة توصيات مُتعلّقة بمُحتوى التّقرير المكتوب أو المُتلفز، منها أن لا يُصوّر الانتحار كآليّة للتّعامل مع أزمات، كالإفلاس أو التّعنيف، وأن يتضمّن أيّ تقرير حول الحادثة تسليطاً للضّوء على تأثير الانتحار على أسرة وأصدقاء الضّحيّة، والأضرار النّفسيّة والاجتماعيّة الّتي خلّفتها هذه الحادثة عليهم. أيضاً، بالرّغم من وجوب تفادي إطلاق الأحكام التّنميطيّة الدّينيّة أو الثّقافيّة على ضحايا الانتحار وإلقاء اللّوم عليهم، تُحذّر منظّمة الصّحّة العالميّة من مخاطر تمجيدهم لما في ذلك من تمجيد لفعل الانتحار نفسه في نظر المُتلقّي!

هذه التّوصيات لم تصدر عن عبث، بل صدرت بعد دراسات مُعمّقة طويلة أظهرت حساسيّة التّداول الإعلامي للانتحار وتأثيره على نسب الانتحار اللّاحقة. وبالفعل، عقب تطبيق هذه التّوصيات في عدد من البلدان، لوحظ تراجع في هذه القفزة لنسب الانتحار بعد هذا النّوع من الأخبار. حتّى إنّ بعض الدّول وضعت قوانين أكثر صرامة. في النّرويج مثلاً، يُمنع نقل أخبار حالات الانتحار أو مُحاولات الانتحار على الوسائل الإعلاميّة بشكل عام إلّا في حالات استثنائيّة.

من هنا يوضع الإعلام في خانة المسؤوليّة الحسّاسة عن التّعاطي مع هذه الأخبار. من الخطر أن تُترك أمور كنقل خبر أو إعداد تقرير، لدافع خلق الـ«ترند» أو صوغ الخبر بأكثر طريقة تجلب تفاعلاً ورُوّاداً للموقع، أو أن يكون الدّافع تبسيط سبب الانتحار (الّذي عادةً ما يكون أكثر تعقيداً) واستثمار ضحايا الانتحار كـ«شهداء»... وبالتّالي تحويل فعل الانتحار إلى فعل نبيل يُمجّده المُجتمع ويُخلّد ضحاياه كأيقونات. لكن حتى لو فُرضت ضوابط شديدة على الإعلام، من يضبط مواقع التّواصل الاجتماعي حيث البقاء للترند الأقوى؟



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا