هناك وباءٌ منتشرٌ اليوم بين النّاس، في لبنان والعالم، بصورةٍ أوسع حتّى من وباء «كورونا» نفسه: الإرهاق. الإرهاق من الحجر. الإرهاق من إجراءات الوقاية والتّباعد. الإرهاق من «الأونلاين» وتجنّب المُخالطة وغيرها من التّوصيات الّتي اعتقد كثيرون أنّها ستكون مسألة أسابيع قليلة لا مسار طويلاً لأكثر من عام. وهذا الإرهاق في الحقيقة يُترجم عمليّاً من خلال التّفلّت من الإجراءات الوقائيّة والّذي صرنا نشهده بشكلٍ أوسع حول العالم.


في حوالى منتصف عام 2020، ومع مرور بضعة أشهر على إجراءات الحجر والإقفال حول العالم، حذّرت مجموعة من الدّول الأعضاء في منظّمة الصّحّة العالميّة من خطر «الإرهاق من الوباء» أو الـpandemic fatigue الّذي صار يتزايد ضمن مجتمعاتها وأنّ هذا الأمر سيحول دون الاستفادة من الإجراءات الوقائيّة الصارمة الّتي تفرضها الحكومات في هذه الدّول.

تُعرّف منظّمة الصّحّة العالميّة الإرهاق من الوباء (pandemic fatigue) بأنّه انعدام الحافز للالتزام بالإجراءات الوقائيّة من حجر أو تباعد بسبب الإرهاق النّفسي منها. اللّافت أيضاً هو أنّ المُنظّمة تُؤكّد أنّ الإرهاق من الوباء هو ردّة فعل طبيعيّة ومُتوقّعة لأزمة صحّيّة طويلة الأمد وبحجم وباء «كورونا». بالإضافة إلى ذلك، حذّر الكثير من علماء النّفس والاجتماع من الإنهاك والاستنزاف الّذي سيجتاح المُجتمعات كُلّما طال هذا النّفق، ما سيؤدّي إلى تفلّت واسع من هذه الإجراءات حول العالم.

على سبيل المثال، يشرح أستاذ علم النّفس في جامعة أريزونا، دايفيد سبارا، أنّ الطّبيعة البشريّة غير مُهيّئة للعيش في حالة تأهّب مُستمرّة أو حالة «القتال أو الهروب» (fight or flight) بشكلٍ مُستدام. يُكمل حديثه ليُشير إلى أنّ الحلّ يكمن في الإتيان بحلول وسطيّة تُحافظ على السّلامة العامّة من جهة، ولكن تُريح النّاس بعض الشّيء من جهة أُخرى.

المُشكلة أنّ الإجراءات والحلول التّقليديّة والمُسوّقة إعلاميّاً أصبحت، رغم جدواها، خانقة في نظر كثيرين. «#خلّيك_بالبيت» كانت توصية أكثر من جيّدة في الأسابيع الأولى للوباء، ولكن اليوم، يشعر أغلب النّاس بالإرهاق بمجرّد سماع كلمة «إقفال». والحقيقة أنّ علينا أن نتفهّم هذا الإرهاق فأسبابه وجيهة والوصول إليه كان مُتوقّعاً. إذاً ما الحلّ؟ أنرمي كماماتنا في أقرب حاوية ونعيش كما لو أنّ هذا الفيروس اختفى فجأة؟ بالطّبع لا. فمهما شعرنا بأنّنا مُستعدّون للنّهاية الاجتماعيّة لهذا الوباء، ما زلنا بعيدين عن نهايته الطبّية. أعداد الإصابات اليوميّة ما زالت مُرتفعة، والمُستشفيات بطواقمها الطبّية لا تزال تُستنزف بشكلٍ يوميّ، وصرنا معتادين على مُطالعة أرقام الوفيات الّتي ما زالت مرتفعة وصعبة الخفض. المطلوب هو حلول وسطيّة تُوازن ما بين السّماح للنّاس بهامش أوسع في حياتهم وبين السّلامة العامّة والوقاية، فالإجراءات الصّارمة المُجدية والمُفيدة نظريّاً كالإقفال العام والحجر التّام لم تعد تُفيد عمليّاً بسبب تفلّت النّاس منها.

تُعرّف منظّمة الصّحّة العالميّة الإرهاق من الوباء (pandemic fatigue) بأنّه انعدام الحافز للالتزام بالإجراءات الوقائيّة


إثر تزايد التّحذيرات بشأن الإرهاق من الوباء، أصدرت منظّمة الصّحّة العالميّة تقريراً مُفصّلاً حول الإرهاق من الوباء وكيفيّة التّعامل معه من قبل الحكومات والجهات المُؤثّرة محلّيّاً لتدارك الأمر والحفاظ على معايير السّلامة. أهم توصية أو عنوان عريض أوصت به المُنظّمة هو السّماح للنّاس بممارسة أنشطتهم الحياتيّة بشكلٍ طبيعيّ ولكن مع تحويل هذه الأنشطة إلى أنشطة أقلّ خطراً في نقل الفيروس. المطلوب أيضاً، بحسب التّقرير، التّخفيف من «لا تفعلوا» واستبدالها بـ«افعلوا بأسلوب أو طريقة مُختلفة». على سبيل المثال، أوصت بعدم منع الاحتفالات في مناسبات ثقافيّة أو دينيّة ذات أهمّيّة اجتماعيّة، بل بإقامة هذه الاحتفالات أو إحياء هذه المُناسبات بطريقة آمنة قدر المُستطاع وإن كان بدا أسلوب الإحياء هذا اصطناعيّاً أو ناقصاً مُقارنة بالسّابق. فالحفاظ على إحياء المُناسبات المُهمّة بالنّسبة لمُجتمعات مُعيّنة وسط إجراءات صحّيّة ضاغطة، وإقامتها بطرق آمنة، أفضل من الاستغناء عنها تماماً، لأنّ ما يحصل حول العالم اليوم هو أنّ النّاس يتوجهون إلى إحياء هذه المُناسبات بطرق غير آمنة.

من التّوصيات الّتي تقدّمت بها المُنظّمة أيضاً التّفريق بين الأنشطة ذات الخطورة العالية وتلك المُعتدلة أو المُنخفصة الخطورة. هذا التّفريق يجب أن يصدر من السّلطات المحلّيّة على شكل توصيات للمُجتمع المحلّي، ويعتمد على جُملة من الدّراسات المُتراكمة على مدى العام الماضي الّتي تحقّقت من طرق انتقال الفيروس. مثلاً، إقامة حفلة مُغلقة من دون تباعد أو كمامات يُعتبر نشاطاً ذا خطورة عالية، خصوصاً إذا تضمّن تناول الطّعام أو الرّقص وما إلى ذلك حتّى ولو كان عدد الحاضرين منخفضاً نسبيّاً، بينما خروج أفراد عائلة يعيشون مع بعضهم البعض إلى نزهة في الطّبيعة في الهواء الطّلق هو نشاط ذو خطورة مُنخفضة حتّى لو بدت زحمة السّيّارات أمام المنتزه مُثيرة للقلق. هذا التّفريق يجب أن يكون تفصيليّاً ويجب أن يُسوّق للنّاس، فهو من جهة سيُعين على وضع خطط فعّالة ويمكن الالتزام بها، ومن جهة أُخرى سيمنح النّاس هامشاً أوسع للحركة ضمن معايير السّلامة العامّة.

من يعمل في المُستشفيات يرى بوتيرة يوميّة الكلفة البشريّة الباهظة لهذا الوباء، لهذا لا يُلام القيّمون في القطاع الصّحّي على التّشديد على الالتزام بأعلى درجات الوقاية والتّباعد، فهم منهكون أيضاً. في الوقت عينه، علينا أن نلحظ وجود ظاهرة الإرهاق من الوباء وهي نتيجة ملموسة وطبيعيّة لكلّ ما حصل ولا يزال، ناهيك عن الظّروف الاقتصاديّة الخانقة الّتي تمرّ بها أسرٌ كثيرة اليوم.