في كانون الأوّل الماضي، بدأ الحديث عن خطط لتطوير جواز سفر صحّي يحتوي على كلّ المعلومات الخاصّة بالمسافرين، بدءاً من فحص فيروس «كورونا» (PCR) وصولاً إلى تلقّي اللّقاح.

«نظام Common Pass» هو الاسم الّذي أُطلق على الجواز الصحّي الإلكتروني، وخاصيّته التحقّق من امتثال المسافر للشروط المطلوبة، وأن ينشئ رمزاً خاصاً بالمسافر يمكن الاطلاع عليه بسهولة من قبل موظفي الخطوط الجوية وموظفي الحدود في كل مكان.

وفق هذا النظام، يخضع المسافرون لاختبارات «كوفيد 19» في مختبرات معتمدة، وبعد ذلك يقومون بتحميل النتائج على هواتفهم الجوالة، مع استكمال أي بيانات صحية إضافية قد يطلبها البلد الذي سيتوجهون إليه.

بعد ذلك، يتمّ التحقّق من امتثال المسافر للشروط وينشئ رمزاً خاصّاً بالمسافر يمكن الاطلاع عليه بسهولة من قبل موظفي الخطوط الجوية وموظفي الحدود في كل مكان. على اعتبار أنّ الاعتماد على بيانات صحية موثوقة سيمكّن الدول من تطبيق إجراءات فحص أكثر دقّة لدخول المسافرين على حدّ قول المسؤول عن المشروع والمدير السابق للاستراتيجيات والابتكار في المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، برادلي بيركينز.

بديل الحجر الصحي
هدف الجواز الصحي الرقمي، وفق القائمين على هذا النظام، هو تأمين تجربة سفر أكثر أماناً وسلاسة، إذ يضمن لكلّ مسافر تخطّي الإجراءات في المطارات من دون أي متاعب أو اختبارات إضافية.

في غالب الأحيان، تكون نتائج فحوصات «كوفيد 19» للمسافرين مصدرها مختبرات غير معروفة ومدوّنة بلغات مختلفة تبعاً للغة كلّ بلد، ما يُصعّب الأمر أمام موظّفي المطارات. من هنا ظهرت الحاجة إلى النظام الموحّد الذي أعلنه «المنتدى الاقتصادي العالمي» بالتعاون مع مؤسسة غير ربحية في سويسرا، ويقوم على تقديم شهادات ومعايير موحّدة ومدوّنة رقمياً لتسهيل السفر بين الدول وجعله أكثر أماناً، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركيّة.

يكمن دور هذا النظام في خضوع المسافرين لاختبارات «كوفيد 19» في مختبرات معتمدة، ولاحقاً يقومون بتحميل النتائج على هواتفهم الجوالة، مع استكمال أي بيانات صحية إضافية قد يطلبها البلد الذي سيتوجهون إليه.

في الحقيقة، لا يقتصر هذا النظام على هذه الأهداف فحسب؛ إذ نشأت الحاجة إليه لأسباب اقتصاديّة في المقام الأوّل، وكان دافعها الحجر المنزلي الذي سبّبه فيروس «كورونا». فمعظم الشّركات والمؤسّسات كان قد انتقل من العمل المباشر إلى العمل عبر الإنترنت، لكن البعض لم يكن بمقدوره أن يقوم بالمثل، وهنا نتحدّث عن شركات السياحة والسفر والتنقّل وغيرها من الشركات التي تفرض طبيعة عملها أن تكون على أرض الواقع. واجه هذا البعض صعوبات في مواصلة العمل وتحقيق الربح خلال فرض قيود التباعد الاجتماعي.

ومن الشركات العاملة في تطوير جوازات السفر، شركة «آي بروف» للمقاييس الحيوية، وشركة «إمفاين» للأمن الإلكتروني، التي ابتكرت جواز لقاح يجري اختباره في الهيئة الوطنية للصحة في بريطانيا بعد الحصول على تمويل من الحكومة.

يتوقّع الاتحاد الدولي للنقل الجوي «أياتا» أن يكون تطبيق الهاتف المحمول المجاني هو المفتاح لإعادة فتح الحدود وإعادة العالم للطيران مرة أخرى، من دون الحاجة إلى إجراء الحجر الصحي.

مخاطر اجتماعية... وسياسية
على الضفّة الثانية، قد يتسبّب هذا النظام في أزمات اجتماعيّة وسياسيّة في العديد من البلدان، ولا سيّما الفقيرة. فقد لا يكون بمقدور بعض الدول تأمين هذا التطبيق والعمل على شروطه وتوفيره لكل المواطنين رغم مجّانيته. كما أنّ فكرة إعطاء اللّقاح لجميع الأفراد لا يمكن تطبيقها على شرائح المجتمع كافة؛ فثمّة بلبلة محتملة قد تظهر في ما بعد تتعلّق بالتمييز والامتيازات، بسبب استبعاد الجيل الأصغر سناً الذي سيكون آخر من يحصل على اللقاح.

فتخيّلوا أنّ فرداً ما أراد أن يُسافر ليُكمل تعليمه خارج وطنه الأم في ظلّ الجائحة، لكن لم يتلقّ اللقاح بسبب عامل السنّ، فهل سيتوقّف مستقبله بسبب النظام الجديد؟ وهل سيكون السفر لفئاتٍ محدّدة فقط؟ وماذا عن النساء الحوامل والمرضعات أو اللواتي يخططن للحمل؟ الأطفال؟ المصابون بالحساسيّة؟ وغيرهم من الفئات المستثناة من التلقيح.

تجدر الإشارة إلى أنّ العديد من الدول، بينها عربيّة، وافق على هذا النظام وسيبدأ العمل عليه، لكن في المقابل هناك دول أخرى لم تتقبّل الفكرة بسبب مبدأ التلقيح الإجباري. وهنا يكمن اللغز؛ فمن شروط الـ«Common Pass» أن تكون كلتا الدولتين المتوجّه منها وإليها تُطبّق النظام المقترح، وإلّا يتعذّر السفر! ويُعدّ قبول جميع البلدان بالتصاريح الرقمية نفسها تحدّياً، ما قد يخلق عقبات إضافيّة على نظام السفر.

بحسب «نيويورك تايمز»، فإن الرئيس الأميركي جو بايدن يبدو متردداً في خوض معركة «جوازات اللقاح»، بعد توقيعه على أمر تنفيذي لـ«تقييم جدوى» إنتاج وثائق التلقيح الرقمية.
وبين المؤيّدين والمعارضين، تزداد الهوّة التي نشأت في الولايات المتحدة مع الانتخابات السابقة، وتتعمّق مع قرارات التلقيح الإجباريّة، على الرغم من احتمال أن تسنّ الولايات المتحدة قانوناً يمنع التمييز على أساس حالة التلقيح في المستقبل القريب.

معضلات أخلاقية
يجب أنْ لا يكون نظام التلقيح على الجوازات الرقمية إجباريّاً، بل من الأفضل فتح باب الاختيار أمام الدول. هذا ما تراه الدكتورة تاليا عراوي، مسؤولة الأخلاقيّات الإحيائيّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت. فهي تعتبر أنّ جوازات الحصانة وسيلة للعودة إلى حياة اجتماعية واقتصادية أكثر طبيعية، لكن الفوائد التي تنتج عنها ستوزّع بشكل غير متساوٍ على الأفراد، وستنتهك مبدأي العدالة والإنصاف. فالواقع الحالي يوضّح أنّ توزيع اللقاح غير متكافئ بين منطقة وأخرى، وحتى داخل المنطقة الواحدة نفسها.

ووفق عراوي، توفّر تلك الجوازات فرصة للموظفين للعودة إلى العمل ولمّ شمل العائلات، لكنها في المقابل لن تكون متاحة للجميع، وستؤدي إلى تفاقم مشكلة عدم المساواة. فلا يمكن تلقيح بعض الأشخاص المستبعدين من التلقيح بسبب الحالات الصحية الخطرة. ومع ذلك سيتعيّن على الآخرين الانتظار لأنهم ليسوا في المجموعات ذات الأولوية، والإمدادات لا تزال محدودة، أو حتّى لأنهم يعيشون في منطقة أقل كفاءة في توصيل اللقاحات.

كما يمكن أن تؤدي جوازات الحصانة هذه إلى حافز عالمي لتلقيح المسافرين الدوليين قبل إعطاء الأولويّة للبلدان الفقيرة وشرائح المجتمعات المعرضة للخطر في جميع أنحاء العالم.
من هنا، يجب أن تسمح جوازات الحصانة على الأقل بالاستثناءات للأشخاص الذين لا يمكن أو لا ينبغي تلقيحهم.

ترى الدكتورة عراوي أنّ المعضلة الأخلاقية الأساسية هنا تكمن في تحديد من سيُستبعد إذا تم تقديم الشهادات والجوازات الرقمية الصحية للسفر. بعض البلاد يفرض على المسافرين إليه نوعاً معيّناً من اللقاح دون غيره، وهذا الأمر بحدّ ذاته يطرح معضلات عديدة:

1- قرار كهذا يفرض على المواطن أخذ لقاح ما دون غيره.
2- شريحة كبيرة في العالم أخذت اللقاح قبل طرح القرار، ما يعني أنهم لن يستطيعوا السفر إلى جميع البلدان، وهذا نوع من الانتهاك لحق الإنسان في حرية التنقّل.
3- هناك فئة من الناس يحتّم عملهم عليهم السفر إلى بلاد عديدة، ما يعني أخذ أكثر من نوع واحد من اللقاحات، وهذا الأمر مرفوض طبياً بطبيعة الحال.

يمكن القول إنّنا نواجه نوعاً من «القوميّة اللقاحية»، وفق عراوي. فقد أطلقت الحكومة الإسرائيلية أخيراً تصريحاً أخضر حمل شعار «الخطوة الأولى للعودة إلى حياة شبه طبيعية» صالح لمدّة ستة أشهر من تاريخ تناول الجرعة الثانية من اللقاح، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الذين تعافوا من فيروس «كورونا»، يمنح إمكان الدخول إلى صالات الألعاب الرياضية ودور السينما والفنادق، مع العلم بأنه مُنع اللقاح عن الشعب الفلسطيني بشكل تمييزي «وهذا انتهاكٌ فاضح لحقوق الإنسان والأخلاق».

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنّنا نفتقر إلى الكثير من المعلومات المطلوبة لكي تكون هذه الجوازات بديلاً من الحجر الصحي وحظر السفر؛ ما زلنا لا نعرف ما يكفي عن فعالية جميع اللقاحات أمام كل السلالات، ولا نعرف بالضبط إلى متى تستمر الحماية التي يوفرها اللقاح. وقد يخلق ذلك إحساساً زائفاً بالأمان على اعتبار أنّ أولئك الذين تم تلقيحهم لم يعودوا معرّضين لخطر الإصابة بالعدوى أو حتّى نشرها كأن يصابوا بحالة غير مصحوبة بأعراض مثلاً.

البيانات وانتهاك الخصوصيّة
يدور جانب من النقاش حول قضية الجواز الصحي، يشبه النقاش بشأن بيانات التطبيقات المتعلّقة بمكافحة الوباء وتتبع الحالات. ولئن شدّدت الجهات القائمة على أنظمة الجوازات الصحيّة أن يتم التعامل مع البيانات الصحية بموجب اللائحة العامّة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي على اعتبارها «بيانات حساسة»، فإنه لا يمكن معالجتها إلا إذا تم وضع أساس قانوني واضح للقيام بذلك.
وفق عراوي، فإنّ السماح للقطاع الخاص بالحصول على المعلومات الصحية للأفراد يُعدّ انتهاكاً محتملاً للخصوصية، على الرغم من وجوب موافقة الشخص قبل ذلك.
لا شيء، ولا أحد، يستطيع أن يضمن عدم خرق المعلومات الإلكترونية. وهذا الأمر يُعدّ من المخاوف الأساسيّة. كما أن فكرة إمكانيّة استغلال هذه المعلومات بطرق مختلفة بحدّ ذاتها تُثير القلق، لأنّ النتائج ستكون وخيمة في وقت أصبحت فيه «الصحّة سلعةً تُباع ولا يحصل عليها إلا من استطاع أن يسدّد الفاتورة الباهظة».

وفي هذا الصدد، وجدت دراسة استقصائية للمسافرين من رجال الأعمال نشرتها «BCD Travel» أن المعيار الأوّل لقبول جوازات السفر الصحية كان حماية مُرضية للبيانات.
لكن تظل برامج جوازات السفر المختلفة تثير مخاوف بشأن الخصوصية، لأنّها لا تعرض مجرّد معلومات إذا ما كان الفرد قد تمّ تلقيحه أو تعافى أخيراً من فيروس «كورونا»، بل يعرض أيضاً تاريخ الاسترداد وتاريخ اللقاح ويستخدم تقنية تشفير قديمة من المحتمل أن تكون عرضةً للانتهاكات الأمنية والمتسللين.
لذا، لا يزال من غير المعروف كيف يتم تعريف الشفافية وحماية البيانات. ويمكن كذلك حفظ السجلات عبر الإنترنت لإجراء المراقبة، من منظور سياسي، وتتبع بيانات المستخدم، بما في ذلك اللقاح الذي تلقّوه والمستشفى الذي تلقّوا فيه التلقيح.