في ظلّ انشغال العالم بمكافحة جائحة «كورونا»، ومع تزايد الإصابات والوفيات بشكل يوميّ في العالم أجمع، تكثر التساؤلات حول واقع الفيروسات التنفسية الأخرى. فمن المتعارَف عليه أن الفيروسات المسبّبة للأمراض التنفسية، على غرار الإنفلونزا والالتهاب الرئوي، تنشط في الطقس البارد، ومع حلول فصل الشتاء. فلماذا قلّ الحديث عنها اليوم؟ وهل من المحتمل أنها اختفت مع انتشار فيروس «كورونا»؟


الالتهاب الرئوي والإنفلونزا
يسجّل العالم سنوياً ملايين الإصابات بالالتهاب الرئوي الذي يودي بحياة مئات آلاف الأشخاص. حدّدت «اليونيسف» أن هذا المرض يقضي على 800 ألف طفل دون سن الخامسة سنوياً في العالم. في حين كشفت منظمة الصحة العالمية أن الالتهاب الرئوي يشكّل 15% من مجمل وفيات الأطفال ما دون الخامسة حول العالم. وتشير أرقام مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، إلى جانب منظمة الصحة، إلى أن حوالى 650 ألف شخص يتوفّون سنوياً بأمراض الجهاز التنفسي من الإنفلونزا الموسمية. ويعدّ هذا الرقم أضعاف ما يتم الإعلان عنه اليوم عن الوفيات الناتجة عن فيروس «كورونا» المستجد.
منذ كانون الأول من عام 2019، ومع بدء جائحة «كورونا» في الصين وانتشارها في العالم أجمع، راقب العلماء نشاط الفيروسات التنفسية الأخرى خلال عام 2020. ولاحظ الباحثون أن عدد الإصابات بالإنفلونزا في جنوب الكرة الأرضية، في تموز 2020، لم يتخطَّ 10% فقط، مقارنة بعدد الإصابات في تموز عام 2019، حين سجّلت المنطقة عينها نسبة بلغت 30%. كما أنهم لاحظوا غياب أي حالة إنفلونزا في جنوبي شرق آسيا، وجزء من أميركا الجنوبية وأفريقيا. وكشفت منظمة الصحة أن نسبة الإصابات بالإنفلونزا انخفضت بمعدّل 98% في مختلف أنحاء العالم.

أوجه الشبه والفروقات
ينتمي «كورونا» إلى فصيلة الفيروسات التاجية، التي تشمل فيروس «السارس» (المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة) التي تصيب الجهاز التنفسي وتؤدي إلى الوفاة في كثير من الحالات. وتتشابه أعراض عدوى «كورونا» إلى حد كبير مع أعراض الإنفلونزا والالتهاب الرئوي، من حيث السعال المستمر، والحمّى، والتعب الجسدي وانسداد الأنف، والصداع والتهاب الحلق. إنما يختلف عن الأمراض الأخرى من حيث سرعة الانتشار والانتقال، وعدم ظهور أي أعراض في العديد من الحالات، لا سيما في الأيام الأولى من التقاط العدوى. كما أن السعال في حال عدوى «كورونا» يكون جافّاً ومزمناً، إلى جانب الضيق في التنفس وفقدان حاستَي الشم والذوق.


واقع الفيروسات الأخرى الآن
تتعدّد وجهات النظر والتحليلات حول هذا الموضوع. ففي حين يشير البعض إلى أن هذه الفيروسات لم تختفِ تماماً، بل تم الخلط بينها وبين الإصابات بـ«كورونا»، يرى البعض الآخر أن هذا الأخير ساهم في الحد من انتشار الفيروسات الأخرى بفضل الإجراءات الوقائية المتخذة.
يوافق عالم الفيروسات والأوبئة الروسي ميخائيل ليبيديف، على النظرية الثانية، ويشير إلى أن «اتباع الإجراءات الوقائية كارتداء الأقنعة والتباعد الجسدي وغسل اليدين، ساهم إلى حد كبير في منع التقاط العدوى من الفيروسات الأخرى، وتحديداً الإنفلونزا». ويشدّد على أن «التخفيف من الاختلاط بين الأشخاص، لا سيما من تظهر لديهم أعراض الإنفلونزا أو فيروس كورونا المستجد، ساهم أيضاً في الحد من عدوى الأمراض التنفسية».

العدوى مخبريّاً
من الناحية المخبرية، يشرح البروفيسور جيمس ستيوارت، خبير الفيروسات في جامعة «ليفربول»، أنه «في حال أصيب الشخص بفيروس معيّن، تقلّ فرص إصابته بفيروس آخر في الوقت عينه». ويشير إلى أن «هذا ما يعرف بالتواصل الفيروسي»، لافتاً إلى أن «الفيروسات عند دخولها الجسم لا ترغب بمنافسة الفيروسات الأخرى، لذا يقوم الفيروس الأول بطرد الطفيليّ الآخر بشكل نهائيّ». ويؤكّد ستيوارت أنه «في هذه الحالة، يعمل الجهاز المناعي على تكوين الأجسام المضادة لمحاربة العدوى الأولى التي يلتقطها الجسم، وعند دخول فيروس آخر، سيعمل الجهاز المناعي على مقاومته بالطريقة عينها».